السبت، 23 أبريل 2011

شوق مهرب..


أحمد ولد إسلم

Ahmed3112@hotmail.com

إلى الكافرين بالحب، والمؤمنين به..

إلى شيخ القبيلة الذي يزوج القصر بحثا عن قصر..

إلى من يعتقد أني نسيتك يوما، أو سأنساك..

إليك انت قبلهم، وإلي أنا قبلك..

إننا في النصف الأخير من إبريل.. يوشك العام الثالث أن يحزم ذكرياته ميمما شطر الخلود، محتفظا في تلك الحقيبة الصغيرة على ظهره، بحزمة من الشوق، رصت بانتظام، ولفت بقليل من الكبرياء، أو المكابرة.

 كان يحاول هذا العام أن يدسها في جيب العام المقبل، عند بوابة العبور حين يلتقيان الساعة الثامنة وعشرين دقيقة من مساء الثالث والعشرين.

لا أعرف إن كان ذلك الشوق الملفوف بالمكابرة سينجح في تجاوز أجهزة رصد الحنين، وهل سيكترث العام المقبل بوجوده؟

ما أعرفه أن هذا العام المودع كأن أمينا، ومغامرا، نجح في التسلل بتلك الشحنة العاطفية، من مرفإ الذاكرة.

 تغلب في معركة طاحنة على النسيان، مر بحرفية عالية بين الحواجز الاجتماعية، ونقاط تفتيش النوايا، كان جلفا أحيانا، ومتعاونا أحيانا أخرى.

ولأن تلك الشحنة، لا انتهاء لصلاحيتها، فهي قابلة للبقاء إلى آخر يوم في العمر الذي لم يعد له معنى بغيابك.

تجسست ذات مساء على قلبي فسمعته ينشد بصوت أقرب ما يكون إلى التضرع:

أيعقل أن أموت لفرط شوقي

                    وهذا الحب يمطر من سمائك؟

أيعقل أن أعيش على كفاف

                 وهذي الروح تسبح في فضائك؟

أيعقل أن أكون هنا وحيدا

               أعانق ما تبقى من مســـــــــــــائك؟

وأرمق في الفراغ خيال وجه

             يلبي الشوق من أقصى نــــــدائك؟

سأمكث ههنا عمرا أمنّي 

            بقايا النفس تحيا من بقـــائـــك

حين اكتشف وجودي أتنصت عليه، تشاغل في حديث مع النفس، كان همسا، لكن سمعت مما تقول: ليت الأنفاس تحتفظ بحرارتها لتصلها كما تصدر، فتلهب قلبها.

لم يكن قلبي يأتمنني عليك، هذا ما فهمت من حديثه الهامس، كان يسأل النفس عن آخر عنوان لقلبك ليزوره، أو يرسل إليه رسالة.

ولأن الروح كانت حاضرة، وهي جندي طيع للقلب، فقد همست في أذنه أنها تلتقي روحك كل مساء على شاطئ الحنين، ووعدت أن توصل إليها ما يجود به.

تنهد القلب بمرارة وقال:

آه أيتها الروح السابحة، هل أغاظتك شكواي..؟

كانت الروح ودودة وقالت بابتسامة يشوبها شيء من الاعتزاز:  لست مثلك يا قلب!

****

إني أجازف الآن يا حبيبتي بنقل هذا الحوار إليك، أعلم أن عددا كبيرا من الرقباء سيعترضون الارسال، لكن قلبي أخذ علي عهدا أن أبلغ هذه الرسالة إلى العالم.

سأبذل جهدي أن أوصلها إليك قبل الثالث والعشرين من الشهر، حتى يستطيع قلبك مساعدة العام المقبل في الاحتفاظ بشحنة الشوق المهربة.

الأحد، 2 أغسطس 2009

الكرسي المحجوز..(قصة قصيرة)


أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com
بلهفة من لم ير بريده الألكتروني منذ مدة.. فتحت باب المصعد، وبارتباك من يسمع كلمة "أحبك" أول مرة، ضغطت الزر الثالث، وبعد لأي انفتح الباب بهدوء شديد، كمن يخاف ان يوقظ مصابا بالأرق.
ألقي نظرة سريعة على محتويات الشقة، التي أخطأت مفتاحها أربع مرات..لم يتحرك شيء من مكانه، مزهرية على الطاولة، لوحة زيتية لوجه نصف مبتسم، يشع بنظرة مدروسة، ..جهاز كومبيوتر في وضع سبات، وبقية ما في الصالة التي لم يغير ترتيبها منذ شهرين..
أمام خزانة الملابس تبعثرت جملة أسئلة؛ أي قميص؟ أي سروال؟ أي ربطة عنق؟ اي الألوان تراها تحب؟
هي فنانة أوتيت ملكوت الذوق الرفيع، أخشى ان أقابلها بقميص لا يناسب مزاجها، هل تفضل الملابس الرسمية، أم الملابس الصيفية؟..الجو معتدل وكلها تناسبني..أتلمس ذقني.. لم تحلق منذ شهرين..وانتصب سؤال آخر:
أستعجب بي ملتح أم حليقا..؟
يهتز الهاتف في جيبي؛ سبع دقائق قبل الموعد، ولكن ماذا ألبس؟!
أمرر يدي على القمصان، آخذ قميصا أبيض قصير الذراعين..وسروالا أسود..؛رسميا كثيرا..وضعته، أخذت آخر أزرق..؛لا يناسب القميص..
اهتز الهاتف من جديد، ست دقائق قبل الموعد... لما ذا أبحث عن ذوقها؟ سقط السؤال على باب الخزانة.
اخترت قميضا أزرق سماويا، وبذلة رمادية فاتحة، رشة أو اثنتين من عطري المفضل، ..لا وقت لتشذيب اللحية، لأخرج بطبيعتي،..وعلى مرآة المصعد عقدت ربطة العنق بشكل مثلث، مررت منديلا على حذائي..
بنفس كلمات الترحيب التي حفظتها منذ شهرين دعتني النادلة للجلوس،ومع أنها تعرفني لا أدخن، فقد رددت نفس النص القديم؛ هذا الجانب للمدخنين، وهذا لغير المدخنين، وهذه طاولات للجلسات المختلطة،..
أخترت طاولة من المجموعة الأخيرة، تطل على جانب حديقة يفوح منها أريج الزهور العبقة، ورائحة الفودكا..
لدينا قائمة مشروبات صيفية استحدثت اليوم فيها عصائر فواكه طازجة، وهذه القائمة التقليدية، قالت النادلة وهي تمسك قلمها كصحافي في ندوة لا يفهم كلام ضيوفها..
شايا أخضر بالياسمين مثلجا، قطعة حلوى...وماء بدون غاز...لم يكن الجو بتلك الحرارة، مع ذلك كان حلقي يحترق..
أنظار من في المقهى تتحول فجأة إلى المدخل الشرقي..قامة فارعة، شعر أشقر منسدل، ووجه بتعابير محايدة،..تتقدم خطوتين، تتوقف لسماع محاضرة النادلة لمدة ثلاثين ثانية،.. تجلس في الطاولة المحاذية يسارا لطاولتي..
أرتشف قليلا من الشاي..أزيد السكر قليلا..أفتح قنينة الماء..ثم الصفحة الخامسة والسبعين من مجموعة " الليل الأخير"..يتسرب صوت ناغم إلى مسامعي..كانت تلتفت إلي بزاوية خمس وثمانين درجة،..نفضت سجارتها بلباقة, أخذت نفسا قصيرا وقالت:
- مساء الخير..
لم يكن الوقت مساء، نظرت ساعتي وقلت: مرحبا
- معذرة على مقاطعتك.. هل اشتريته من هنا..؟ صوت مذهب ونظرة حارقة من عينين عسليتين..وأنامل تكبس بود عقب سجارة لإخمادها..
- تقصدين الكتاب..؟
- أجل..
- لا
- قرأته قبل ثلاث سنوات..اشتريته خلال رحلة قادتني لجزيرة جربة في تونس.. أفكاره جميلة، ولغته قوية، وجدت صعوبة في فهمه المرة الأولى..
- يحدث ذلك أحيانا.. وأعدت نظري للكتاب
- يبدو بيننا اهتمام مشترك..قالتها وهي تستخرج سجارة جديدة، وتنظر إلي برموش ناعسة مغوية..
- ربما
- هل يمكن أن أقترب او تقترب أكثر، فكلامك لا يصلني بوضوح..
- ما ذا تقصدين؟
- إن كان لا يضايقك أن أجلس على الكرسي المقابل لك..؟
- عرض مغري..همست لنفسي، وأنا أجول ببصري في المقهى الذي أحسسته مندهشا لهذا التقارب المفاجئ..
- هل تنتظر أحدا؟
رغم جمالها الأخاذ فقد ضايقني كسرها صمتي..إخراجي من وحدتي..من رحلتي إلى أغوار نفسي..من متعة الحديث الصامت الذي دار قبل جلوسها..
- نعم.. هل في ذلك ما يزعجك؟...لم يكن صوتي ودودا بما فيه الكفاية
- ليس بالضرورة..خشيت فقط أن لا يأتي مثل أمس..
غريب..!
لم أر وجهها من قبل، ولم تكن أمس هنا..: من قال إني كنت أنتظر أحدا يوم أمس؟
- ليس الأمس وحده،..فقد أثار فضولي اختيارك نفس الطاولة وفي نفس الموعد منذ ايام..أخذت نفسا عميقا من سجارتها..سربته بهدوء ثم قالت: ثلاثة أيام.. اليس كذلك..؟
- هل أعرف الغاية من مراقبتي؟
- أنا أعمل في محل بيع العطور المقابل للمقهى..كنت أراك من الزجاج..تزحزت قليلا عن كرسيها، وهي تشير على النادلة ان تضيف حسابي إلى حسابها..ألا تريد أن أجلس معك..؟
- لم أعتد على ذلك..
- على ماذا؟
- على ان تدفع عني امرأة لا أعرفها..
- لم تبد رغبة في ذلك..
- ربما لم توجد.. آخذ الفاتورة من يد النادلة..شكرا لك..ربما في المرة القادمة..
- هل ستكون هناك مرة قادمة..
- لا أعرف
- متى يأتي من تنتظر؟
أحدق فيها بنظرة مرتابة، مستغربة ومنزعجة..
تستطرد وهي تنظر إلى سجارتها، هناك أماكن جميلة كثيرة..واليوم إجازة..
أتأكد من صفحة الكتاب، أطبقه على صورة لوجه نصف مبتسم..: ربما حين تأتي نمر بك لشراء عطر يعجبها..
- بل لأهديه لكما..هل ستأتي اليوم..؟ قالتها بمزيج من الجذل واليأس
- أعتدل واقفا..أدخل بطاقة الإئتمان في محفظتي..ترفع عينيها بنظرة ماسحة..وخيط دخان يغادر بكسل شفتيها الحمراوين..
- يوم الإثنين..
- ولكن اليوم سبت..قالتها بصوت مرتفع قليلا, وبنبرة مستغربة مغتاظة..لماذا انتظرتها إذا..؟!
- أتجاوزها بخطوتين، وبابتسامة مذيع نشرة الثالثة فجرا، أقول: لأحجز الكرسي المناسب..
- ولكن...أنا...لمَ أنت...لحظة من فضلك...إنتظر...خذ رقم...هـ..يـ..ـه..
*كاتب موريتاني مقيم في موسكو

الخميس، 2 يوليو 2009


المقالات والقصص القصيرة الجديدة ...وكل ما هو جديد في عالمي المتناثر تجدونه في الرابط التالي:
http://a22s.maktoobblog.com/

الاثنين، 29 يونيو 2009

هل أشرح لك..؟! (قصة قصيرة)


أحمد ولد إسلم*
كانت الشمس الموسكوفية متلفعة بغيم داكن،والبروق تخطف الأبصار، وقصف الرعود يجبر أجهزة إنذار السيارات المركونة بعناية فائقة في جادة فرونزنسكايا على الخروج عن صمتها، والكل يترقب القطرات الأولى ليفتح مطريته، لا وقت عند أحد للتوقف..والمحظوط من دخل النفق المخصص للراجلين قبل نزول المطر..
من الدرج المؤدي إلى النفق تدفقنا أفواجا..لا أعرف لمَ اعترضتني دون غيري..كنت أنظر هاتفي فهناك من ينتظرني، وعلي الوصول بعد ربع ساعة..
بصوت هادئ قالت: من فضلك خذ واحدة.
تجاوزتها معتبرا أنها تحدث غيري، أو أن العرض عام، لكنها تقدمت بخطوة نحوي، وهي تعترض جزئيا طريقي وأعادت بهدوء جملتها، وعيناها الغائرتان المشدودتان من طرفيهما تركزان علي.
مستعجلا ومتملصا قلت لها :ليس الآن.
وقفت بحزم أمامي وقالت أنت ذاهب إلى موعد، لا بد أن تختار واحدة:
"هذه يمكن أن تهديها لحبيبتك إن كان هذا أول لقاء لكما، فهي مختلطة فيها ورود حمراء ومع ذلك فيها بنفسج محفوف بالياسمين ستكون معبرة عن صدق مشاعرك.
وهذه باقة حمراء خاصلة ستثير حبيبتك، وتفيد في تجديد العهد بينكما، خاصة إن كنت لاحظت فتورا عاطفيا في أيامكما الأخيرة.
ولك أن تختار أي واحدة من الباقات الأخرى، فهي جيدة في ذكرى عيد ميلاد إحدى صديقاتك مثلا، لأنها متوازنة لا تعبر عن الحب في بعده الثنائي، بقدر من تعبر عن التقدير والوفاء..
أسعارها مناسبة، أغلاها بمائتي روبل، وأؤكد لك أني اقتطفتها جميعها صباح اليوم من حديقة بيتي التي اعتنبي بها بنفسي..أنظر ما تزال يدي ترشح، فقد انغرزت شوكة في إبهامي وأنا أقطفها قبل ساعة من الآن..يمكن أن تتنسم شذاها ستتأكد أنها جديدة ..ما زالت تفوح.."
كان علي البحث عن وسيلة أفهمها بها أنها ضيعت ثلاث دقائق من وقتي، وأن كل الخيارات التي قدمت، ليست ضمن مفكرتي، فأنا لا حبيبة لي إطلاقا، ولا تربطني علاقة صداقة مع أحد في هذه المدينة.
وأعياد الميلاد ليست من ثقافتي، وكل من أعرفهم ولدوا حسب الوثائق في يوم واحد، لا يمكن الاحتفال به لتوافقه مع عيدي مسيحي، فلا يجازف أحد بتخليده، كما أن ذلك التاريخ الموجود في وثائقهم لا يعني لهم شيئا، لأنهم ولدوا في يوم آخر.
وأكثر من ذلك، أني لا أستطيع الوقوف على حقيقة ما قالت، فلا فرق عندي بين ما في سلتها من باقات.
فبحكم النشأة لم أعتد تبادل الورود في المناسبات العامة، وكل ما أعرفه منها نوارٌ أصفر يكسو الطلح، ويخصص غذاء لصغار الخراف.
والأشجار عندنا -عكس العالم كله- تينع في موسم الخريف، رغم أني درست في مراحلي الأولى أن الخريف موسم لتساقط أوراق الشجر، وظل ذلك يشكل عقدة بالنسبة لي، حتى أدركت متأخرا أن النص الذي درسنيه معلمي أخذ من كتاب التلاوة العربية دون مراعاة فارق خطوط العرض.
لا أعرف إن كانت العجوز - التي تكبر جدتي قطعا- قالت كل ذلك، أم أني توهمته من حركات يديها المرتعشتين، فأنا لا أفهم الروسية حين يتحدثها الموسكوفيون بطلاقة، فكيف ولكنتها الطاجيكية حولت حديثها إلى شريط يسمع مقلوبا.
خلال شرحها المستفيض كنت أتأمل ملامحها، فقد أخذتي بعيدا إلى ربوع نشأتي الأولى، فسود الأيام حفرت في وجهها أخاديد ذكرتني بــحال قيعان أعرفها في هذا الفصل بالذات من السنة حين تكون شقوقها فاغرة، تنتظر بلهفة أول الغيث.
وعلى رأسها لفت منديلا أبيض، جمعت به شتات ما أبقت لها الأيام من شعرها المستسلم لقدر لونه الأخير، وكذلك من هن في مثل عمرها من عجائز بلدي - على قلتهن – ما زلن محافظات على تلك الخرقة السوداء التي تستر الشعر حال سقوط الملحفة عنه، وكثيرا ما كانت موضوعا لأعذب أشعار الغزل حيث تسمى "الملوى".
رفعت العجوز وجهها المكفهر إلي وأنا مستغرق في تأملاتي بعيدا عن رطانتها، فأدركت بمرارة أنها ضيعت جهدا دون طائل.
قلت بصعوبة كلمة سمعتهم يقولونها في الوداع ومعناها "أراك قريبا"، وتركتها وهي تحاول صعود السلم بحثا عمن يستوعب معاني ما تحمل ، أو يدرك دلالات ما تقول.
مسرعا بخطواتي لتعويض وقتي الضائع، انتصب في طريقي عند فتحة النفق المؤدية إلى محطة القطار السريع، رجل أربعيني.. أجبرتني قامته الفارعة وبذلته الأنيقة جدا على التوقف.
كان يسند كمانا إلى قلبه، وتنساب بين أنامله نغمات باكية تختزل حزنا باذخا، وكانت عيناه الزرقاوان مغرورقتين، تجول فيهما دمعة بلورية شفافة انحدرت على خده بتفاعل غريب راسمة خطا مستقيما استقامة قامته…
الفت خلفي لأسأل العجوز إن كان في سلتها ما يعبر عن التعاطف مع المحزون، لكنها اختفت بين مئات المسرعين للاحتماء بالنفق من وابل بدا أكثر فهما منا جميعا..
· كاتب موريتاني مقيم في روسيا

الجمعة، 8 مايو 2009

متاهة في موريتانيا..

قصة صحفي يبحث عن أمل
أحمد ولد إسلم*
كانت فكرة أكثر من رائعة حين اقترح موقع منصات علينا أن نتحدث بضمير المتكلم عن تجاربنا الصحفية، صادفت الفكرة هوى في نفسي، وأردت أن تكون قصتي تعبيرا جماعيا عن العديد من زملائي الذين شاركوني السنوات الخمس الماضية من حياتي، وقاسمتهم في الغربة أمل العودة إلى الوطن، وهم اليوم يقاسمونني حلم الهجرة منه.. فشكرا لمبدع الفكرة..شكرا لمنصات.
كانت البداية..
في حي الصفْحة الشعبي جدا بمدينة النعمة الواقعة على بعد 1200 كلم شرق نواكشوط، دار حديث سريع ذات ليلة في عام 1994 بيني وبين شخص ما عدت أذكره، لكن الواقعة ما زالت راسخة في ذاكرتي، كنت في الصف الخامس ابتدائي، وبي تأتأة لا أكاد أبين كلميتن باسترسال، ما أذكر أن ذلك الشخص قال لي ساخرا لا يمكن أن تصير صحفيا، وأجبت بسرعة بل سأكون صحفيا..وأدرك أني لم أكن أعي العمق الحقيقي لهذه الكلمة حينها..بل لم تخطر ببالي الواقعة إلا بعد حصولي على شهادة الباكالوريا واختياري تخصص الإعلام، ويبدو أن عقلي الباطن احتفظ بها في زاوية من زواياه طيلة الأعوام العشرة..
وفي الطريق معركة..
في عام 2000 حين حصلت على شهادة الدروس الإعدادية كان علي اختيار الشعبة التي سأواصل الدراسة فيها، وقع اختيار الإدارة وطاقم الأساتذة على الشعبية العلمية، واتخذوا قرارهم دون استشارتي، فيما كنت ألتمس الخطوات الأولى على طريق اكتشاف مواهبي الأدبية، وبدأت أسود في أواق شخصية جدا بعض الأسطر التي أردت أن أحولها شعرا..
مع مطلع العام الدراسي كان الأمر جليا كالشمس، فقد ورد اسمي في لائحة طلاب السنة الأولى ثانوية من شعبة العلوم الطبيعة، استفسرت الإدارة طالبا منهم تغيير الشعبة إلى شعبة الآداب المعاصرة، لكن علاقة مدير المؤسسة بأسرتي حالت دون ذلك، واشترط موافقة والدي.
بدا أني أخوض معركة لست مهيئا لها، استلمت في البداية ومر أسبوعان من السنة الدراسية، وفي كل يوم أزداد إيمانا بخياري، ويزداد ذهني رفضا للرياضيات والفيزياء، كان الأمر في غاية الصعوبة، وصرامة الوالد وأفراد الأسرة الذين يكبروني جميعهم لم تترك أمامي خيارا، وحاول كل منهم بطريقته إقناعي بأن التخصص العلمي سيفتح لي آفاقا مهنية واعدة، وستكون لي مكانة مرموقة في مجتمع يكتشف البوادر الأولى لعصر العلم.
استمر ذهني في رفض الرياضيات والفيزياء حتى ما عدت أقدر على حل معادلة من الدرجة الأولى…وفي مساء من شهر أكتوبر 2000 اتخذت القرار، جلست بجانب والدي وقلت بلغة حاسمة: أمامك خياران؛ إما أن أتحول إلى شعبة الآداب، أو أترك الدراسة نهائيا..!
كان كلامي صادما، ففي مجتمع محافظ مثل موريتانيا يعتبر مجرد نقاشك قرارا اتخذه والدك عقوقا…نظر أبي بزاوية حادة جدا، وكأنه لا يصدق ما سمع..أعدت الكلمتين بتمهل وأنا أوضح مخارج الحروف..توقعت أسوأ ردة فعل ممكنة..
التفت والدي بكامل جسمه وقال دون تردد هل تدرك ما تقول؟
أجبت نعم أبي ..استمراري في شعبة العلوم يعني فشل مشوار الدراسة إلى الأبد..
استفسر مجادلا..هل تدرك الفرق بين أن يقال أحمد ولد إسلم كاتب أو شاعر.. وبين أن يقال أحمد ولد إسلم المنهدس أو الطبيب..هل تدرك الفرق في المردودية، في المجتمع، في المستقبل…؟!
نعم أدرك ذلك..أدرك أني أستطيع الاستمرار في تخصص لا أقتنع به.
وضع والدي حدا للنقاش الذي بدا بلا فائدة، وقال متحديا: حذاري..أن تختار أسوأ تخصص وتحصد أسوأ النتائج…!
كانت تلك الكلمات قاسية جدا ولكنها كانت أيضا بوابة أمل فتحت لي، وعلي قبول التحدي..جذلا، قلت: موافق.
لا يستغرب هذا التصرف من عائلة كعائلتي ففي مدينة النعمة دخلت كلمة " كهرباء" قاموس السكان لأول مرة عام 1995 ووصلت أول قافلة للأنرنت عام 2001 ، من الطبيعي جدا أن ترفض الأسر التخصصات الأدبية فجامعة نواكشوط الوحيدة في موريتانيا ترسل إلى الشارع سنويا عشرات من خريج الأدب، ولا تبعث وزارة التعليم إلى الخارج إلا الأول على مستوى موريتانيا في مسابقة الباكالوريا.
المنطلق..
في يوليو من عام 2003 وبعد ازدحام طويل أمام مباني الثانوية العربية في نواكشوط قرأ أحد الاساتذة في مكبر الصوت أسماء الناجحين – طريقة بدائية جدا لكنها مستعملة في موريتانيا- كان اسمي من بين تلك الأسماء، وفورا اتصل أخي رحمه الله ليعلمني أني وعددا من رفاقي نجحنا في مسابقة الباكالوريا،لم أكن من الأوائل، ولكن مجرد النجاح في أول محاولة يعتبرا تميزا في مدينة النعمة حيث تنعدم كل شروط الدراسة..
ساعات من استقبال التهاني وكان علي اتخاذ القرار بالتخصص الجامعي، تلقائيا كنت قد وضعت في ورقة صغيرة ثلاثة تخصصات أحبها، الإعلام، والترجمة والعلوم السياسية، اثنان من تلك التخصصات لا يدرسان في موريتانيا؛ الإعلام والعلوم السياسية.
حديث مقتضب مع الوالد حول الفكرة، أبدى موافقته، وشرع في البحث عن وسيط للحصول على التسجيل في الخارج، برزت الجزائر وسوريا خيارين، في الأولى يدرس أخي، وفي الثانية يعمل أحد المعارف في السفارة..
أثمرت تلك الاتصالات عن موافقة مستشار في السفارة الموريتانية بالجزائر على منحي أحد المقاعد المخصصة للطلبة الموريتانيين والتي لم تبعث لها الدولة العدد الكافي وبقيت شاغرة، ليستغلها موظفو السفارة في توطيد علاقاتهم، وبعد أسابيع أبلغت بقبول ملفي وحصولي على تسجيل في كلية القانون بجامعة باتنة، دفعت مبلغ 250 أورو بعد ذلك لأحد السماسرة ليحول تسجيلي إلى قسم الإعلام بجامعة عنابة، هناك يدرس أخي.
رفقة آملة..
من المصادفة أن خمسة ممن حصلوا على التسجيل بنفس الطريقة في الإعلام أرسلوا إلى جامعة عنابة، كنا ستة ندرس في قسم واحد، ونحلم بحلم واحد، أن نتخرج ونعود إلى موريتانيا، البلد الذي يستحق علينا الكثير، تحملنا خلال العام الأول الكثير من الشتائم واللمز، والتلميحات المزعجة والأسئلة السخيفة، إذ لا يصدق أحد أن موريتانيا التي منحت استقلالها بعامين قبل الجزائر وتملك الحديد والسمك والنفط والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث لا توجد بها إلا جامعة واحدة لا تدرس إلا تخصصات نظرية بمناهج متقادمة…كذب بعضنا وغضب بعضنا أحيانا وأخير هدأت عاصفة الأسئلة..
وبعد عام حصل ثلاثة منا على منحة من الدولة لوساطة يملكونها، واستمرت أسرتي وأسر اثنين من زملائي في الانفاق علينا حتى منتصف العام الثالث حيث خصصت لنا منحة من وزارة التعليم العالي قدرها مائة أورو في الشهر.
لم يكن يخالجنا شك في أن الدولة التي خصصت لنا منحا لدراستنا تخصصات غير موجودة في البلد ستكون قد وضعت استيراتجية ضمنتها الاستفادة مما سنعود به، ومرت السنوات الأربعة طويلة كان كل منها يخطط فيها لحلمه..وتخرجنا ستتنا عام 2007 وكنت من بين الأوائل في قسم الإعلام.
وعدنا والشوق يحملنا إلى موريتانيا ونفس كل واحد منا مطمئنة أنه سيقضي شهر أغسطس في مدينته الأصلية، وتواعدنا أن نتلقي في سبتمبر لنبدأ الإنتاج..فتخصصنا نادر والطلبات عليه كثيرة.. هذا ما كنا نتخيل..
السراب اللامع..
في الخامس والعشرين أغسطس 2007 أقفلت عائدا من مدينة كانت بها نشأتي الأولى، التقت في عطلتي التي دامت تسعة وعشرين يوما عددا من أصدقائي القدامى ممن هجروا الدراسة وتوجهوا إلى إفريقيا، فمنهم من صار ذا مال، ومنهم من تزوج وأنجب، ومنهم يملك السيارات الفارهة، وعرض كل منهم أن يسهل لي مرافقته إلى حيث يعمل، بل تعهد لي بعضهم بتحمل نفقات الرحلة إلى الغابون أو الكونغو وأن يمنحني راتبا محترما..
كان الحديث عن تلك العروض يثير سخريتي فأنا الحاصل على شاهدة جامعية في تخصص نادر في بلدي ومن المتوفقين في دفعتي، كنت أرد عليهم ساخرا ما تعدوني به في السنة سأحصل عليه في الشهر أو في الفصل على أقل تقدير.
في نواكشوط كثرت نسخة من ملف يحوى شهاداتي العلمية والتدريببة، وامضيت خمسة أيام، دلفت فيها مداخل أغلب المؤسسات الإعلامية ،استقبلني بعضها ورفض الآخر، وجاملني بعضهم وعبس آخرون..
وفي يوم قائظ دخلت على المدير المساعد للإذاعة الوطنية، كانت السكرتيرة أخبرتني أن المدير العام أحال ملفي إليه، استقبلني بترحيب وسألني عن بغيتي؟
أجبت بوضوخ أريد العمل في الإذاعة فأنا خريج قسم الإعلام السمعي البصري ومن المتفوقين في دراستي وأتقن استخدام الحاسوب..و..و.
ابتسم ساخرا: أمامك الكثير كي تحصل على عمل…وأردف: على العموم كنت نظرت ملفك، سنمنحك فرصة التدريب في الإذاعة…لكن ليكن في علمك أنه تدريب دون تعويض…ولا أوقية واحدة.
كانت وقع الكلمة الأخيرة لاذعا..ولكني قبلت العرض.
وفي الصباح جئت إلى الإذاعة..وهناك وجدت ثلاثة من رفاق دربي حصلوا على نفس الفرصة.."تدريب دون تعويض"..
قررنا أن نتوجه إلى التلفزيون على أمل أن تكون إدارته أكثر تفهما، لكن تبين العكس تماما، فلم يسمح لنا حتى بتجاوز البوابة الأمامية، وسلمنا ملفاتنا إلى بواب قال لنا فيما بعد إنه سلمها لسكرتيرة المدير..وفي كل مرة نعود للاستفسار عنها يطلب منا الانتظار ويحثنا على الصبر..فقررنا ترك الملفات التي ما تزال في أدراج السكرتيرة ولم نتلق ردا منها بعد.
مر شهر سمعت فيه الكثير الوعود العسلية، وسمعت قدرا كبيرا من الإعتذار، وبقيت ورفاقي متشبثين بالأمل الذي عدنا به، وفسرنا التباطؤ بالبيروقراطية المتجذرة في إدارات البلد.
وفتح باب جديد..
زوال أحد أيام سبتمبر رن هاتفي كان الصوت هادئا ومهذبا: معك محمد محمود أبو المعالي، وجدت ملفك هنا، إذا كان لديك متسع من الوقت فأرجو أن تمر بي في مكتب صحيفة أخبار نواكشوط.
تعتبر صحيفة أخبار نواكشوط إحدى أعرق الصحف الموريتانية،وقد مرت عليها قبل فترة الذكرى الثالثة عشر على انطلاقتها، تدرجت من أسبوعية واحدة باللغة الفرنسية، إلى أسبوعيتين بالفرنسية والعربية ثم يوميتين، و أخيرا أضيف لهما موقع ألكتروني إخباري باسم وكالة نواكشوط للأنباء.
بعد حديث دام دقائق كانت الفكرة واضحة، يريد مدير المؤسسة إطلاق موقع ألكتروني إخباري، ويحتاج من يشرف عليه.
سبق لي أن التقيت السيد محمد محمود ولد أبو المعالي في صيف عام 2005 حيث كنت أعد بحثا عن استخدام الصحفيين الموريتانيين للأنترنت، واجريت معه مقابلة لذلك شكل عرضه باب أمل جديد بالنسبة لي وافقت على الفكرة من حيث المبدأ وأجلنا بحث التفاصيل.
كان الأمر سهلا بالنسبة لي فأنا أحد المهووسين بالأنترنت وسبق أن أدرت موقع اتحاد الطلبة الموريتانيين في الجزائر وأملك إحدى أكثر المدونات الموريتانية زيارة، لذلك لن تواجهني صعوبة تقنية في إدرة الموقع الجديد يكفي فقط أن أطلع على نظام إدارته.
وفي الأول من أكتوبر2007 وجدت نفسي في مكتب خاص بالموقع الجديد وأنا أحرر أول خبر سأنشره، وكان عن منح أسبانيا طائرة لمراقبة شواطئ موريتانيا.
كانت فرصة نادرة أن أعمل تحت إشراف الأستاذ محمد محمود أبو المعالي، فمنهجيته تقوم على إتاحة الفرصة للصحفي المبتدئ لتجريب كل أفكاره، وفي النهاية يتدخل في الوقت المناسب لتصحيح الخطأ دون كبير ملامة..
واجهتني أكبر صعوبة في تحرير الأخبار ذات الصلة بالمحاكم، فكنت أطلق المصطلحات دون اعتبار، فأسمي المشتبه متهما وأسمي القرار حكما..وفي كل مرة يصحح لي أبو المعالي بحكمة…ويلاحظ رغبتي الكبيرة في التعلم.
ثلاثة أشهر كانت كافية لتجريب الموقع وتجريبي.. وفي الثلاثين ديسمبر2007 أطلقت وكالة نواكشوط للأنباء، مولودا جديدا يقتحم الساحة الألكترونية الموريتانية بنستخين إحداهما عربية والأخرى فرنسية.
وبعد أيام من ذلك قررت إدراة المؤسسة أن تحيل إلي رئاسة تحرير النسخة العربية.
سعدت بذلك كثيرا، وكان الأستاذ محمد محمود أبو المعالي يراقب أدائي وبين الحين والآخر يهمس لي بوصية أو تنبيه..وتارة بلوم.
منحني لقب رئيس تحرير نوعا من الراحة النفسية، لكنه حرمني من أكثر مجالات الحياة الصحفية متعة..الشارع.
كان العمل المكتبي يأخذ 90% من وقتي وبالكاد كنت أغطي بعض الأنشطة التي تأتي في عطلة نهاية الأسبوع أو التي تحتاج تغطية خاصة.
أكسبني ذلك خبرة مهمة في التحرير الصحفي وكنت كل يوم أكتشف خطأ لي أو لأحد زملائي فأتجنبه، أو على الأقل أكون على علم به.
خلال خمسة أشهر تألقت وكالة نواكشوط للأنباء فصارت ثاني أكبر موقع إخباري موريتاني بعد وكالة أنباء الأخبار المستقلة.
كان سر نجاح وكالة نواكشوط للأنباء يكمن في الحرية الكبيرة التي يتمتع بها طاقمها، كما أنها غير محسوبة على توجه سياسي معين.
تضاعف العمل بشكل متسارع، وزادت أعباء التحرير بتسارع الأحداث السياسية والأمنية في موريتانيا، ووجدت نفسي أعمل بجهد أكبر مما أتحمل، كانت الوكالة تأخذ من وقتي حوالي ست عشرة ساعة في اليوم وفي الأيام الأقل نشاطا تأخذ اثنتي عشرة ساعة في اليوم.
جرى نقاش بيني وبين الإدرة لتخفيف ذلك أو توفير ظروف مادية ومعنوية تناسب الجهد المبذول.. مر شهران ولم يحصل شيء من ذلك، أو ربما استعجلت أنا، كنت منهكا، وكانت أمور أخرى بدأت تطرأ على خط المؤسسة فقررت الإستقالة في العشرين يوليو 2008.
البحث عن قشة في البحر..
في تلك الأثناء كانت الإذاعة الموريتانية قد أعلنت أخيرا عن مسابقة اكتتاب صحفيين، كيفت معاييرها خصيصا مع مواصفتنا نحن الستة المتخرجون من الإعلام السمعي البصري، بعدما ما مرت عشرة أشهر وهي تعدنا باكتتابنا في نهاية كل شهر.
عشرة أشهر عرفنا فيها موريتانيا على حقيقتها، واقتنعنا أن المعيار الوحيد للترقية أو التوظيف هو أن تسبح بحمد الحاكم وأن تلعنه غدا إذا سقط، أن تكون قريبا للمدير أو تعرف من يعرف قريبا له.
خلال تلك الأشهر العشرة عرفنا قيمة أن تطلب العمل بشاهدتك في موريتانيا؛ في الإذاعة التي يعمل بها أكثر من أربعمائة عامل يوجد من بينهم فقط اثنان يحملان شهادة في الإعلام أحدهما متخصص في الصحافة المكتوبة، وغير ذلك من الصحفيين والفنيين اكتتبوا مع كل مدير جديد، وكان يشرف علينا صحفي لم يحصل على شهادة الباكالوريا، ومع ذلك يتولى رئاسة تحرير نشرة.
أصررنا نحن الستة أن نكسب المعركة، قررنا أن نشارك في مسابقة الاكتتاب وإن خولف ما هو معلن نلجأ للتصعيد وربما إلى القضاء.
اختتمت المسابقة ولم يبق إلا إعلان النتائج الذي كان مقررا يوم الخميس السابع من اغسطس 2008.
لكن حدث ما لم يكن في الحسبان فقد قرر الرئيس الموريتاني يومها سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله أن يضع حدا لنشاط أربعة من كبار الضباط العسكريين، وفي ردة فعل مفاجئة وضع الضباط الرئيس في السجن.
وكان أول قرار صدر عن المجلس العسكري الجديد إقالة مدير الإذاعة ومدير التلفزيون.
وبعد أسبوع من الإنقلاب كان رد المدير الجديد للإذاعة على زملائي أن مسألة اكتتاب صحفيين جددا ليست من أوليات المرحلة.
ونسف ذلك القرار أحلام ستة شباب علقوا أملهم على إذاعة تسير وفق مزاج جنرال.
كنت الأكثر حظا، فبعد استقالتي من عملي رئيسا لتحرير وكالة نواكشوط للأنباء تلقيت ثلاثة عروض عمل محلية اخترت من بينها العمل في وكالة أنباء الأخبار الموريتانية المستقلة أكبر موقع ألكتروني موريتاني على الإطلاق، وشغلت منصب سكرتير تحرير.
إيجابية التجربة الجديدة أنها أعادتني إلى الشارع، عدت إلى سماع شكاوى البسطاء، إلى أنات المرضى، إلى أحلام أطفال الشوارع، وأحاديث المستولين.
أعادتني الأخبار إلى الصحفي المتجول، أجري مقابلة هنا مع سياسي وهناك مع فنان وتارة مع متسول، وليس الصحفي القابع خلف مكتب وثير يراقب شاشة حاسوب محمول، ووجدت لذة العمل الصحفي، وفي كل يوم أنزل إلى الشارع أزداد حنقا على حكام هذا البلد.
كان وقت وكالة الأخبار أقل بمستوى النصف من وكالة نواكشوط و ظروف العمل فيها أحسن.
لعنة التسمية..
في بلد لا يوجد فيه معهد للإعلام وتحتفل أقدم صحيفة مستقلة فيه بعددها الألفين، وتحكمه منذ ثلاثين سنة طغمة من العسكريين لا يؤمنون بحق الإنسان في التنفس إلا عن طريق أنابيبهم، لا يستغرب أن تكون تسمية "صحفي" مثيرة للإشمئزاز.
فقبل العام 1991 لم يكن يسمح في موريتانيا بصدور الصحف المستقلة، وبعد تعديل الدستور لتمديد حكم العقيد معاوية ولد الطائع صدر قانون الصحافة وأغرقت وزارة الداخلية الشارع بأكثر من أربعمائة ترخيص صحفي، لا تتجاوز الصحيفة ورقة في حقيبة أحد المرتزقة يبتز بها كل من يدخل عليه، فسادت صورة نمطية في العقل الجمعي للموريتانيين أن الصحفي مرادف للمرتزق المتملق المتزلف، الذي ينشر تقريرا يقدح شخصا، وفي العدد الموالي ينشر تقريرا يمدحه.
ووصل الأمر أن بات أغلب الصحفيين الجادين يستحيون من إظهار بطاقاتهم الصحفية على رؤوس الأشهاد، فمهنة الصحافة صارت سبة في موريتانيا، لذلك كنت في أحيان كثيرة حين يسألني أحد ما هل تعمل في جريدة؟ أجيب بسرعة لا، أنا أعمل في وكالة أنباء، فالجرائد تعني في المخيلة الموريتانية الكذب والنفاق والتسلط والتزلف.
بصيص النهاية..
منذ اليوم الأول لانقلاب السادس من اغسطس أوقفت الإذاعة اليتمية في موريتانيا بشكل مفاجئ جميع برامجها الحوارية، واستعاضت عن ذلك ببث بيانات التأييد والمساندة للمجلس الأعلى للدولة، ووجدنا - نحن المحررون- أنفسها في عطلة غير معلنة فالبيانات تأتي عادة محررة من طرف أصحابها، وما علينا إلا قراءتها بصوت إذاعي يتيح للعامة فهم مضمونها..
لذلك كان آخر يوم أدخل فيه مباني إذاعة موريتانيا يوم الخامس من اغسطس، وعوضا عن ذلك أدركت أن البقاء في هذا البلد يعني في أبسط تفسير له قتل ما تبقى لدي من موهبة، واستهلاك ما جمعته من خبرة، فلا مجال هنا لتطبيق ما تعلمت، ولا لتطوير ما اكتسبت، وعليك أن تسير في فلك المسبحين بحمد السلطان الجديد، والذي يأتي بعده..
بدأت وزملائي في البحث الجاد عن أي عمل خارج موريتانيا كي نحافظ على بقية الشمعة الخافتة التي عصفت بها رياح البيروقراطية والمحسوبية والرشوة.
تلقيت عدة اتصالات من أصدقاء قدامى في الغابون والكونغو يستحثوني للاتحاق بهم، لكني رفضت، ففقد آمنت بالنجاح في الإعلام مهما كلفني ذلك.
وفي سبيل تحقيق هذا الحلم عكفت منذ فترة على إرسال سيرتي الذاتية لأكثر من مائة مؤسسة إعلامية عربية ودولية بحثا عن عمل، لكن المزعج لي ولزملائي أن أغلب المؤسسات تشترط خبرة لا تقل عن ثلاث سنوات، ويعني ذلك أن بقاء أحدنا ثلاث سنوات هنا في موريتانيا لا تضمن له الحصول على أي عمل أو خبرة، وستجعله كيوم ولدته أمه.
وفي بريدي الألكتروني الآن يحوي مجلد الصادر أكثر من مائة رسالة تحمل عنوان "طلب عمل" فيما يحوي صندوق الوارد ردا واحدا فقط من مؤسسة إعلامية في المشرق قدمت لي عرضا باهتا جدا لكني قبلته كي أخرج من هنا…
والغريب أن جميع زملائي بعثوا إلي بسيرهم الذاتية أو أوصوني بالبحث لهم عن عمل حين أصل البلد المضيف..وكان التعبير المشترك لهم " لا تهمني قيمة الراتب بقدر ما يهمني ارتباط العمل بتخصصي" ذلك التخصص الذي درسناه على نفقة دافعي الضرائب في موريتانيا واليوم نجهد لننعش به إعلام دول أخرى..
شكرا لأنك وصلت هنا..أعتذر عن الإطالة..
*صحفي ومدون موريتاني
ملاحظة: كتبت هذه القصة في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر 2008 واليوم لما أصل البلد الذي كان يفترض أن أعمل به، لأن سفارته تنتظر ردا من وزارة خارجيته على طلبات التأشيرة…أدركت الآن أن البيروقراطية المقيتة هي القاسم المشترك بين كل الدول المتخلفة.

الأحد، 15 مارس 2009

ورقة عائمة..(قصة قصيرة)

أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com
تضرب الأمواج الباردة جدا قدمي، رغم وقوفي على بعد ثلاثة أمتار من الشاطئ، أتحسس حقيبة الظهر الصغيرة، أشدها بقوة بحثا عن حرارة اختزنتها من ملامستها محرك سيارة الأجرة المتهالكة التي ما زال هديرها تتعاطى الكثبان أصداءه..
بدا كل من حولي منشغلا بنفسه؛ سيدة في الثلاثين تهدهد طفلا، تتمتم بكلمات غير مفهومة،..زنجي يلهو بأعقاب سجائره المتراكمة، طفل يبني أكواخا من الرمال المبللة اعتمادا على حجم قدمه الصغيرة..فتزيحها الموجة ويعيد بنائها من جديد..وشاب قمحي اللون يعاند البحر بالكتابة على الرمال..
حاولت استراق النظر إليه لمعرفة مضامين رسائله المرتبكة، غير أن الخطوط المتداخلة جعلتني أستسلم لفشلي..فهي لغة لم أدرسها في مراحل تعليمي ..
أوحى مشهد الجميع برتابة مقيتة، ورغبة جامحة في مناقشة أمر ما مع أحد المخلصين..
كان الفراغ هائلا، ومسحة حزن تغشى جانب السماء التي بدت غير راضية عن ما أفعله، فجلجل عن بعد رعد غاضب، وتسربت السحب الخفيفة من أعماق البحر مستعجلة الالتحاق باجتماع تقرر عقده بعيدا عن أعين القابعين في منازلهم المترفة..
تدريجيا.. فقدت الحقيبة حرارتها، روادتني رغبة في إعادة ترتيب محتوياتها مع أني استغرقت في ذلك أكثر من ثلاث ساعات لانتقاء ما يستحق أن تحتويه؛كتيب صغير من حصن المسلم، مسواك من الأراك طري، اضطررت لكسر جزء منه كي يلاءم حجم الحقيبة، مفتاح لقفل صيني قديم، وقلم من علامة بيك ورزمة من الأوراق اقتطفتها من أحد دفاتري البالية،وسروال جينز ضيق، وأشياء تافهة لا أعرف لمَ اخترتها..ووقعت عيني على صورة..
استللتها بلهفة، وكأني أراها لأول مرة، كانت متشققة أثرت فيها الأيادي الخشنة والسنون..
كانت لمريم وهي تسند ظهرها إلى شجيرة من السدر، تشبك أناملها بقوة مالئة الفراغ بين أصابع يد بأصابع الأخرى وقد أحاطت بهما ركبتها اليمنى في جلسة تأمل نادرة.
آثار حناء تطلي الأظافر الرقيقة ،ومحلفتها المشدودة بحزم على رأسها -الذي لا أعرف لون شعره- تنساب برخاء على ذراعيها، حائلة بذلك دون إظهار تفاصيل قدها.
وتنتصب خلفها عن بعد نخلة تتدلى عراجينها بثقة وبين السدرة والنخلة اخترقت خيوط خفيفة لشمس الغروب...
كانت الصورة بيضاء وسوداء ما جعل الألوان غير بينة، وإن كنت بحدسي توقعت أن تكون الملحفة زرقاء فاتحة تتناثر فيها نقاط بيض وبنفسجية وزرقاء غامقة..
كان الوجه القمري يشع بنور خافت ينتصب في وسطه الأنف المترفع قليلا بتعال، والعينان النجلاوين تستظلان بأهداب كثيفة وحاجبين مقوسين..والشفتان اللمياوان ترسمان ابتسامة موناليزية غامضة، تتقاطع في نقطة غير محددة مع النظرة الواثقة..
يوهم كل ذلك المتمعن في الصورة أنها تريد الهمس بسر دفين حرصت على كتمانه لسنوات...
ويتربع في الزاوية اليمينية السفلى تاريخ التقاط الصورة الذي مضى عليه أكثر من عشر سنين.
عادة سيئة درج عليها قدماء المصورين، إنها تحرمك متعة اختيار التاريخ الذي تريد، فالناس يرغبون دائما في اختلاق تواريخ لذكرياتهم - مهما كانت- تناسب الموقف الآني..
ينفث الزنجي من جديد دخان سجارته من نوع "كوس موس" رخيصة الثمن، ويتعالى صراخ الطفل فترفع المرأة صوتها بالذكر في أذنه وتهزه بهدوء، يعود بي كل ذلك إلى لحظتي..
يرفع الزنجي ساعده يؤخر قليلا قميصه الشتوي الطويل، فتبرز ساعة رقمية من نوع كازيون ويغمم بلغة فرنسية رديئة: "مرت ثلاث ساعات"..ويضرب برجله قنينة ماء معدني فارغة فتحلق بعيدا ثم تسقط بجنب الطفل المصر على تشييد أكواخه..
يلوح الرجل قمحي اللون بقميصه في إشارة استنفار أو استغاثة فيتدافع الجميع نحو زورق يحمل جانبه الموالي لنا عبارة أجنبية فهمت لاحقا أنها تعني "تحقق حلمي" باللغة الأسبانية، تداخلت مع بسملة كتبت بخط سيئ وبلون أخضر..كان صوت المحرك مزعجا..والشفاه تتحرك بتناغم منتظم..
وعلى بعد ثلاثة أمتار من الشاطئ كانت ورقة بيضاء مستطيلة تتقاذفها الأمواج..لترميها على أطلال كوخ بناه صبي بمقياس قدمه الصغيرة..تبين من شقوقها أنها صورة مريم..
أصرخ : انتظر ..انتظر.. رجاء..
يتطاير لعاب المرأة وهي تدفن بحنان لافت رأس طفل في صدرها..ويهزج الزنجي بصوت شجي يغمر بروحانيته الزورق المبتعد..وتتلاشى في المدى تلك الورقة...

*صحفي ومدون موريتاني


الخميس، 12 فبراير 2009

فات الأوان..(قصة قصيرة)

أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com
بعد ازدحام طويل على شباك المكتبة، أعطاني الموزع الكتاب الذي طلبت ، لم يسألني عن بطاقتي ، كان شاردا وبين الفينة والأخرى يختلف النظر إلى شيء ما على طاولته ، يبدو وردة ابلاستيكية أوما شابه، والطلبة في ازدحام كبير عليه.. لا يبدو مباليا بهم ..
دخلت قاعة المطالعة ، جلت ببصري فيها ، كل الطاولات مشغولة ، أعدت النظرة متفحصا كل طاولة على حدة..على كل واحدة يجلس فتى وفتاة ، أغلب الفتيات يرتدين ملابس وردية أو زهرية أو حمراء ، حتى الفتيان متأنقون ..
على بعض الطاولات ورود لا أعرف أنواعها حقيقة..أنا أحب الورود.. أحبها كلها، تمثل لي الدفء والحب والحنان، لكن لا أعرف أصنافها ، لم ألمس وردة قبل العشرين من عمري، بيئتنا قاحلة لا تنبت الحب ..
في ركن قصي من الزاوية الشمالية الغربية منضدة صغيرة شاغرة منتصبة في صمت بين كرسيين صغيرين ينظران إليها كأنهما يغاران من بقية الكراسي.. اتجهت صوبهما ، وضعت حقيبتي الكسلى على أحدهما وجلست على الآخر ، نظر الكل إلي، ربما أنا الوحيد الذي لم أبالغ في التأنق هذا الصباح ، .أحب أن أكون على طبيعتي أكره المبالغة في التأنق.. بدأت أتصفح الفهرس ، ثم رفعت رأسي …
كانت تجول ببصرها في القاعة كأنها تبحث عن شخص، أو ربما عن كرسي شاغر …بدت قويمة القد ، شعرها الحريري الأسود مسترسل على كتفيها ، لمياء ، لا تستعمل محمر الشفاه ، بعينيها النجلاوين تجول في القاعة ، تقابلتا مع عيني ، ابتسمت عن در تلأللأ نظمه ، كاد يخطف بصري ، أسرعت الخطى مقبلة نحوي، كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه .. خجلت من إمعان النظر فيها.. شعور كثيرا ما ينتابني حين تتقابل عيني مع عيني امرأة حسناء…
أعدت النظر في فهرس الكتاب..عبق لم أشتم أحسن منه في حياتي ملأ أنفاسي، استنشقته بإمعان ، وكأني أريد التزود منه في وجود سحب الدخان التي تغطي قاعة المطالعة ، بابتسامة كفلق الصبح قالت: صباح الخير
- صباح البشر ياوجه البشر
مدت يدها بلطف بالغ لمصافحتي ، نظرت إليها وكأني أريد أن أقول شيئا..
أرجعت بهدوء يدها.. أنا آسفة ..هل يمكن أن أزعجك بالجلوس؟
تزعجينني !…بالعكس هذا من دواعي سروري، شرفت المكان ، وأزحت حقيبتي عن الكرسي وضعتها بجانبي.
نظرت إليها أحسست بشعور غريب ، كم هي ساحرة نظراتها ، تسارع نبض قلبي ، وكذلك حدث معها ، تسارعت أنفاسها..بضع ثوان والصمت اللذيذ يخيم على المنضدة الصغيرة ، وعبق عطرها الفواح يغمر أنفاسي ويدها اليسرى لاتزال خلف ظهرها تخبئ فيها شيئا ما …فتحنا فاهانا معا.. كأننا نفكر بدماغ واحد.. ضحكنا قليلا ..
تفضلي هل تودين قول شيء
تلعثمت قليلا ثم استرسلت ..نعم هل لي أن أسألك سؤالا شخصيا ؟
- بكل سرور
- هل تشعر بالزمن؟
- لم أفهم ..ماذا تقصدين ؟
- أعني هل لبعض الأيام ، أو بالأحرى بعض التواريخ قيمة معنوية بالنسبة لك ؟
- بالتأكيد.. هناك تواريخ تبقى في الذاكرة
- مثل ماذا ؟
- عيد ميلادي …يوم غادرت بلدي أول مرة.. تواريخ أخرى كثيرة..
- ما ذا يعني لك تاريخ اليوم؟
- اليوم .. ؟
- لي شخصيا ؟
- نعم ، لك شخصيا ؟
-لا أذكر
-لا شيئ؟..حادثة ..حدث …مناسبة؟
-آه..اليوم ذكرى اغتيال ..
أوه – مقاطعة- ..لا..دعنا من المآسي ..أقصد ذكرى سارة ..هل أهديت أحدا ما وردة في هذا اليوم أو هدية أوشيئا من هذا القبيل ؟
سأتذكر..آه..نعم في مثل هذا اليوم من العام قبل الماضي اشتريت باقة من الورد لأهديها لزميلي بمناسبة مناقشته رسالة الماجستير
-ألا تذكر شيئا آخر ؟
تأملت قميصها الوردي ، وشعرها المسترسل على شالها الأحمر ، وهي تنكشه بأناملها الحريرية ، شردت.. تهت في ذا الجمال الباهر ،..نبهتني بقولها :
على العموم هذه لك.. ووضعت على المنضدة الصغيرة علبة مغلفة مربوطة بخيط أحمر وفوقها وردة ندية
لي أنا ؟! أنا ..لكن ..بأي مناسبة ؟..لماذا كلفت نفسك ..؟!
ستعرف حين تفتحها ..ولكن لا تفتحها الآن ، حتى تعود إلى منزلك وتكون وحدك ، عدني بذلك..
أعدك ..أشكرك ..أنا ممتن لك …هذا يوم لن أنساه
تنهض ..يفوح عطرها العذب …استنشقه بإمعان لافت …
- إلى أين ؟ اجلسي لم تمض إلا دقائق..
-أنا مستعجلة ..جئت فقط من أجلك ..بحثت عنك في الساحة، لم أجدك..خمنت أن تكون في المكتبة ..
ابتسمت ، رمقتني بنظرة آسرة ، وبشفتين مرتعشتين قالت : إلى اللقاء..
شيعتها بنظري وأنا تائه ، أرمق قدها الساحر ، وشعرها المسترسل على كتفيها .. حتى اختفت خلف سحب دخان السجائر التي تغطي قاعة المطالعة …
نظرت إلى العلبة .. لما ذا تهديني علبة ؟
أنا أكره العلب …أمقت أي شيء معلب ، الأفكار المعلبة أكرهها ،السياسات المعلبة أكرهها .. حتى الأرز المعلب أكرهه، صاحب الدكان المجاور صار يعرف ذلك وأصبح يزن لي من الكيس مباشرة .. والحب المعلب أيضا أكرهه ، أحس أن التعليب يفقد الشيء نكهته .. أمسكت طرف الخيط الأحمر ..تذكرت ..وعدتها أن لا أفتحها حتى أعود إلى غرفتي ..سأعود حالا ..
ولكن لماذا أنا دون غيري …؟ أنا لست وسيما ، لست متأنقا ، لست دميما جدا ، ولكني أيضا لست وسيما ، أنا أعرف ذلك ، لا أعول كثيراعلى شكلي .. لماذا تجاوزت كل الفتيان وقصدتني ؟ .. ماذا تحوي هذه الهدية ؟..
أنا لاأحبها ..لا أكرهها، لكني لا أحبها ، فكرت مرة في مفاتحتها …ولكن ما لبثت أن غيرت رأيي ..من الصعب أن ترتبط بأجنبية … ولكن هذه بداية عامي الرابع معها ، لم تحدثني مرة عن الحب ، أذكر أنها كانت تسألني عن عادات الزواج في بلدي ، ولكن محض فضول …
هل يمكن أن تكون تحبني ..؟ لماذا لم تصرح بذلك طيلة ثلاثة أعوام ؟
ربما تكون فكرة أخرى ..لماذا ينصرف ذهني دائما إلى الحب ؟
أحكمت إغلاق غرفتي استلقيت على سريري بإعياء .. تذكرت الهدية ، فتحت العلبة، ظرف بداخلها ، فتحته ، به هدية على شكل كتاب ، حين تفتح دفتيه ينطق بفصاحة بالغة :Happy Valantine’s day…Happy Valantine’s day.. وحين تغلق الكتاب يصمت، ومع الهدية ورقة صغيرة ، مكتوب عليها بخط رائع : "اليوم أعلنت عليك الحب "..احتضنت العلبة قبلتها …نعم قبلتها ..واستنشقت عبقا انبعث من الورقة الصغيرة ..وبت أحتضنها …
في الصباح دخلت أقرب محل لبيع الهدايا ، اخترت منه هدية رائعة ، غالية الثمن ، طلبت تغليفها ، غلفها صاحب المحل ببراعة ، كأنه يقرأ أفكاري ..استوقفت تاكسي طلبت منه إيصالي إلى الجامعة ، وضعت هديتي على مقدمة السيارة ، بجانب وردة ذابلة كأنها قطفت بالأمس ..
دخلت الجامعة .. نساء التنظيف يجمعن أكوام القمامة ، كلها من بقايا أشرطة حمراء، وعلب فارغة، وورود ذابلة ؛ أغلبها ابلاستيكي ، وبعضها طبيعي ، كانت إحداهن تدوس على وردة ندية متعمدة بنعلها وتغمغم : لايعروفون من الحب إلا اسمه ..
وأنا أتفرس الوجوه ، أبحث في الزحام عن وجهها ، عن وجه أريج ، أستنشق الهواء بإمعان علني أستدل عليها بعطرها .. وهناك في ركن من الساحة لمحتها .. تقدمت إليها حبورا .. لم أر في وجهها سمة استبشار … لم أشتم أي عطر …اقتربت أكثر …استنشقت بإمعان ..لا عطر …لا رائحة ..لا ابتسامة …عيناها غائرتان …قميصها أسود..كشعرها …سلمت عليها … ببرود ردت السلام … قلت مسرورا : هذه لك ، وناولتها الهدية …
قالت بلهجة محلية متكسرة : ماهوش في وقتُ ، فات الأوان ...
غادرتني.. وقفت ذاهلا.. وأنا أرمق شعرها الحريري المسترسل على قميصها الأسود ، وفي طريقها داست وردة حمراء ندية… والعجوزالمنظفة تعقبها وهي تقول:
دوسي عليها ..دوسي عليها ..اليوم ما هوش يوم الحب …
بقيت مشدوها ، وهديتي في يدي ، أشيعها بألف سؤال.. "والشعر يلهث خلفها "
وغابت في زحام النساء المتشحات بالسواد … والعجوز تجمع الورود الذابلة …وصوت مزعج يكاد يمزق طبلة أذني …انتبهت فزعا ..إنه منبه هاتفي …وصوت المؤذن يشق صمت الوجود مناديا لصلاة الفجر …أنظر التاريخ في هاتفي.. لا فائدة .فقد فات الأوان.
عنابة – فبراير 2007
* صحفي من موريتانيا

الثلاثاء، 3 فبراير 2009

لفتة المصير..

أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com

مثقلا بالأسئلة الكبيرة والسخيفة، تتقاذفني الأولويات، تشط بي الأفكار..تنعكس الصورة المفزعة على زجاج السيارة المغبر،...مشهد يجمد الإحساس..تتسلل الهمسات الخافتة إلى أذني تقطع حبل الشك ..تكتسحني قشعريرة جارفة، أقيس سريعا المسافة الفاصلة بين قلبيكما لم تكن تزيد على الشبرين..
كانت ملامحه واضحة..رجل قاسمته الأفكار والأحزان..يشاركني هواية القلق، نمتلك معا موهبة ، نكء الجراح، وحفظ أسماء السلاطين عن ظهر قلب..نخطط معا للهجرة إلى اللا نهاية..نكفر كلانا بالوطن..بالقبيلة..ونؤمن بالحلم.
كان قرار الإلتفات صعبا..بل جريمة، ماذا سأقول حين تلتقي أعيننا الست في دائرة الخجل الحمراء..؟
حين تتضاعف جاذبية الأقطاب السالبة في نظراتنا،..تتنافر المشاعر..يضرب كل منا برجله الأرض، عل قدمه تسيخ في موطئها..!
كيف سأقنع الهاجس المختبئ في حنايا الروح أن الصداقة تقتضي تقاسم كل شيئ..؟
وأن الأنانية المفرطة التي ننغمس فيها كل فجر..نعمد فيها أبكار أفكارنا..وكل المفردات التي نجترحها من قواميس ابن حزم، لم تكن غير رسوم عبثية زين بها وجه تستر وراء المساحيق، تخفي ألوانه المتناقضة دمامة ما تلبث تفضحها أول دمعة أو ضحكة، أو حركة مفاجئة..؟
تتكاثف الأشكال العشوائية أمامي، تحجب عني التفاصيل الدقيقة لوضعكما،..والهيئة ما تزال كما هي..وإن خفت الهمس.
أحسست أن الموقف لا يستدعي الإجابة الآنية على كل تلك الأسئلة، وأن لفتة جزئية ستضع حدا لنهاية حلم أو حياة أحد الثلاثة..
سقطت مفاتيح السيارة من يدي، ومن الأخرى سقطت رزمة أوراق كنت أدون فيها خواطر بعيد حديثنا البارحة، وسقط قلبي..وقلمي أيضا سقط.
أهو الحلم..أهي الغيرة..الحب..الحقد..الأنانية..أم تراه الغضب..؟!
لم تسعفني اللحظة بإجابة، فيما اللاشعور ينحني يلملم ما نثرته العاصفة، يتلمس المفاتيح..
ترتعد كل خلية في كياني، تلح إحداها وهي قابعة في تلافيف دماغي على يدي أن تتحرك، وعلى عنقي أن تستدير ربع دورة..وعلى رجلي أن تتخلص من تخدرها المباغت..
لكن الثورة الهوجاء ألغت امتيازات الدماغ، ما عادت له سلطة التحكم والتعقل..
تتشظى الهواجس مخترقة مسامات جلدي، تقف كل شعرة على انفراد، متصلبة في استعراض منتظم للقدرة على التفاعل..وتهطل زخات العرق على الزجاج جارفة الغبار، لتشكل بقعة ساطعة..
أمعن النظر في المشهد، أرجع بصري كرتين..لاشيء
أضغط بعنف على عيني، فتكثر الأشكال العشوائية، وتحمل زوبعة كيسا مطاطيا يغطي البقعة الساطعة..
أستدير بوجل..تسابقني نظراتي إلى موضع اللقاء المشؤوم، تشتعل الأسئلة الحارقة، تلح الإحتمالات، تبعث خلايا التسلط أوامرجديدة..
يتكسر كل ذلك على المدى المشبع بالغبار..يتزاحم المسارعون في المدارات، الباحثون عن عن إجابات مقنعة، لاستفسارات حتمية مساء كل يوم.
ينبجس في خلدي شعورعارم، أفقد السيطرة مجددا على وجودي..أفغر فاهي..تتطاير الأسئلة في الهواء، تدور عيناي مفتوحتان بطاقتهما القصوى، تحملقان في الأفق السحيق ..بلا جدوى.
يقودهما الحدس عنوة..تستقران على زقاق يلتهم سواده بقايا ثوب تخلف عن صاحبه شبرين..ويدا تستحثه على اللحاق..
صحفي ومدون موريتاني

الاثنين، 26 يناير 2009

وحصلت عليك..أخيرا

أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com
بخطوط متفاوتة أرسم ملامحك على خلفية زجاجية شفافة، تساعدني النسمات المنسابة برفق صباحا، أتفنن في تشكيل قدك، أراعي في توازنه حاجتي الآنية، فطورا أطيل جيدك، أمددك باسترخاء، أنضح عليك رذاذا ناعما..وآخر أرسمك راكعة مستوية الأطراف، تشكلين هلالا ترق حواشيه ويعظم جذعه..
تفاجئني دائما مزامير السيارات المستعجلة قبل أن أرسم التوقيع الختامي، فأضطر إلى مسح التشكيلات بسرعة، مخافة أن يكتشف أحدهم الرموز الأولى فيدفعه الفضول إلى التمهل لمعرفة الحقيقة..
أرمقك عند متلقى الطرق الرابط بين الحلم والأسعار، حيث تلتقي رغبتي الجامحة في لفك بقمصي المرقع، وخشيتي المفرطة من نظرات الأطفال المتسابقين إلى السيارات الملتزمة بالضوء الأحمر على قلتها، وهم يتراقصون على نغمات القطع المعدنية التي تعيق مكعبات السكر ضبط نوتاتها.
أراك بك الزوايا، في كل الوجوه، بين حروف وثائق التأمين، وداخل لوحات الأرقام المزورة.
أتلمسك بين النظرات الشاردة للمسرعين على طريق الأمل، ويزداد وجهك ألقا عند زحمة الغروب..أكاد أقسم أني أعانقك؛ أدفن أصابعي بين أضلاعك، أنهشك بشره..وكلما أيقنت بذلك، يزول الغبش قليلا عن زجاج أحدهم فيضع في يدي قطعة معدنية، يشعرني ملمسها الصلب أن من كنت أرمق ليست أنت،.. وإن كنت أحس أنك على مقربة من المكان، يفصلني عنك حاجز رفيع..
أغير موقعي، تخلو الشوارع تدريجيا، تتغير اتجهات السير، يكثر المهرولون إلى الشواطئ، تنبعث روائح العطور الفرنسية، تمتزج برائحة العرق، مشكلة خليطا أقنع نفسي أنه شبيه بعبقك..وأحيان لا تصدقني.
أتلفع ببقايا قميصي، أتحامل بعزم، أشد خيوط أحذيتي، فتفوح الجوارب، تسقط قطعة القماش البنية على الأرض، تتبعها قنينة التلميع، يحدث وقعها رذاذا خفيفا ممزوجا بطين رمادي اللون، يلامس وجهي فأقتنع أنها ليست الوضعية المثلى لطلبك..
أرتمي بعناء على عتبة البنك المجاور، أستغرق برهة في التفكير، تبتعد عني تدريجيا ضوضاء الشارع، تنساب حروف اسمك فوق شفتي، عذبة..عذبة جدا..أرددها بلا وعي، وأنسى أوجاعي..
تصطدم خيوط القمر الفضية بقنينة الملمع تشع على البلاط، تتمازج مع الضوء المنبعث من الداخل، يرسم ظل القنينة وبريقها، شكلا يشبهك حد التطابق..
يمر الشريط سريعا أمامي، أذكر يوم كانت أمي تعدني أن تكوني مكافأتي حين أنجز عملا صعبا، يوم كنت أردد سورة الإخلاص عشر مرات قبل النوم من أجل أن أحظى برؤيتك في الغداة..
يوم كنت أتمارض لأقنع معلمي الفظ بضرورة الخروج دقائق قبل نهاية الدرس كي ألتقيك على انفراد..
لم أك أدرك أنه كلما تقدمت في العمر أشهرا، تتضائل فرصي في الحصول عليك..
تفزعني القطع المنسكبة من جيبي على البلاط، فأعود إلى الواقع، أجمع النقود المتناثرة، أدققها، أستل ابتسامة باهتة، وأعقد العزم على لقائك.
لن يكون لائقا أخذك إلى مخبئي في الشاحنة المتهالكة التي يرمي فيها المنعمون بقايا طعامهم..ولكنه المكان الأنسب للقاء.
أتقدم بتثاقل..يتحول البرد تدريجيا إلى صقيع، أشد بقوة طرفي قميصي فتعزف الخروق سينفونية هادئة، يتجهز الحراس لإحكام إقفالهم، أصب في كف أحدهم قطعا مبعثرة، فيسمح لي بالتسلل إليك..
وأخيرا أضمك إلى صدري كم أنت ساخنة، ستكونين غطائي، وغذائي أيضا، أيتها الخبزة اللذيذة..غدا سأرسمك على زجاج أول سيارة ألمسها..وسأوقع لوحاتي بالحرف الأول من اسمي..لن أخجل من ذلك بعد الآن..
*صحفي ومدون موريتاني