الثلاثاء، 3 مارس 2015

استيراد الخلاف... مرة أخرى

أحمد ولد إسلم Ahmed3112@hotmail.com

الممتبع للصراع بين النخب السياسية الموريتانية على مدى العقود الخمسة الماضية من عمر الدولة الموريتانية يجد أن المحور الأساس فيها يكون في الغالب خلافا إديولوجيا مبنيا على أفكار مسبقة وإسقاطا لنزاعات حدثت بين ربائب تلك الحركات السياسية في بلدان أخرى أقربها تفصله عن موريتانيا آلاف الكيلوميترات.

فالصراع المحتدم فكريا بين التيار الإسلامي والقومي أو الاسلاميين واليساريين أو حتى بين أجنحة القوميين أو الاسلاميين يرتكز أساسا على صراع تلك التيارات في مناطق الشرق العربي أو حتى الشرق الآسويي والغرب الأوربي والأميركي.
وما يذكي جذوة ذلك الصراع هو تبنى كل تيار سياسي لأفكار نظيره في بلد ما والدفاع عنها من دون تنقيح، معتبرا انتقادها أو الاساءة إليها موجهة إليه بوصفه الممثل الشرعي لتلك الأفكار في موريتانيا.

والدليل على ذلك نفور القوميين الموريتانيين من الاسلاميين بسبب مواقفهم من الأزمات في سوريا والعراق ومصر، وإصرار القوميين على محاسبة الإسلاميين على أخطاء ارتكبها التيار الإسلامي في مصر أو تونس أو تركيا، تماما كما يحاسب الإسلاميون القوميين على جرائم ارتكبتها عبد الناصر أو حافظ الأسد أو صدام حسين في بلدانهم بحق الإخوان المسلمين أو السلفيين.

في حين أن التاريخ السياسي الموريتاني لا يذكر فيه موقف لأي تيار سياسي موريتاني تسبب في خلاف عميق أو صراع على قضية محلية.

ولكن هذا الاسقاط للخلافات السياسية يبقى في حدود المعقول لأنه في أقصى درجات تطوره لن يبلغ أكثر من محاولات تصفية الخصوم السياسيين سواء بالمكائد أو بالتجريح اللفظي أو الاشتباكات في قبة البرلمان أو الساحات الطلابية.

إلا أن هذا الاستيراد يكون في حكم الجريمة في حق الوطن والمواطن حين تتبناه الدولة الموريتانية باعتباره أساسا للتعاطي مع قضاياها الداخلية، فربط اي حكومة في دولة ذات سيادة موقفها من قضية ما، بموقف دولة أخرى، إهانة للمواطن الذي أعطاها حق تمثيله، ويضعها في خانة الإمعات الذين لا يستقر لهم قرار ولا يمكن لهم أن يقدوا مسار تنمية دائمة، لأن مواقف تلك الدول قابلة للتعديل ولن تستشير موريتانيا في تعديلها إن قررت ذلك.

وخلال الأعوام التسعة والخمسين التي توالت فيها أنظمة سياسية على مورتيانيا كانت أزمتها السياسية تأتي دائما من ربطها مواقفها من القضايا المحلية بمواقف دول حليفة أو صديقة.

وحده نظام الرئيس المؤسس المختار ولد داداه استطاع أن يدير ظهره للخلافات القائمة بين قطبي العالم حينها، ويخرج بمواقف تثبت فعلا إيمانه بكتلة عدم الانحياز التي كان من أكثر الزعماء نشاطا فيها.

وحين استولى الجيش على السلطة في مورتيانيا كان مبرره أن حرب الصحراء أنهكت الدولة ومنذ ذلك الحين والحالة السياسية في البلد رهن بالصراع الثنائي بين المغرب والجزائر، باستثناء السنوات الأخيرة من نظام ولد الطايع حين اتخذ قرارا بالتطبيع مع إسرائيل تقربا من الولايات المتحدة الأمريكية نكاية في فرنسا بعد فتح ملفات حقوقية له في المحاكم الفرنسية.

ولم يشهد البلد من الاستقرار إلا السنوات القليلة الفاصلة بين الانقلابين على الرئيس السابق معاوية ولد الطايع والرئيس المدني المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ الله.

ومع الأيام الأولى لانقلاب الجنرال المقال محمد ولد عبد العزيز عاد الصراع متلبسا في بدايته الرغبة في الوساطة لحل الأزمة السياسية، وتخندقت القوى الفاعلة في المشهد السياسي العالمي بين طرفي الصراع الممثلين في نظام الجنرال المنقلب والجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية.

جنى النظام سريعا ثمار تحالفه مع نظام العقيد معمر القذافي، وأراد رد الجميل له من خلال وقوفه ضد ما كان إرادة شعبية وسببت تلك المواقف إضرارا بمصالح الموريتانيين المقيمين في ليبيا تماما كما أضرت المصالح الموريتانية في الخليج.

استعاض النظام عن دول الخليج والدول الغربية بالتقرب من إيران وما كان يسمى محور الممانعة، واتخذ مواقف حدية بالاندفاع إلى الحضن الفارسي والدفاع عن نظام بشار الأسد، وعمق الشرخ مع دول الخليج العربي.

ولكن حين تبين له أن ذلك الموقف لم يعد الورقة الرابحة غير اتجاهه مائة وثمانين درجة مندفعا إلى حضن الدول الخليجية التي تناصب إيران وما كان يعرف بقوى الممانعة العداء، وليثب إخلاصه في ذلك تبنى رؤيتها الفكرية والسياسية واستورد خلافاتها مع دول وتيارات سياسية في زمان ومكان مختلفين وأسقطهما على المشهد السياسي المتأزم في الداخل.

وهو بذلك يرتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبه نظام ولد الطايع حين تقرب من واشنطن عن طريق فتح مقر للسفارة الإسرائيلية في نواكشوط، وتقرب منها بعد ذلك حين ركب موجة الحرب على الإرهاب، وهي الموجة التي ركبها ولد عبد العزيز وأسقطته في أتون الحرب في شمال مالي تقربا من فرنسا.

الخلاصة أن البحث عن المصالح الوطنية وتوطيد العلاقات الديبلوماسية بما يخدم الصالح العام للمواطنين أمر مطلوب لكن الأعراف الدولية والفطرة السياسية السلمية لا تستدعى عداء من يعادي الحليف،  ولو عاد النظام الموريتاني إلى الموروث المحلي لوجد أن أهم قاعدة في العلاقات الدولية مؤصلة في المثل الشعبي " نبغي لبغيك يغير ما نكره لكرهك".

نقلا عن أسبوعية "الأخبار إنفو"

الأربعاء، 14 مايو 2014

توديع الصبا

أحمد ولد إسلم

بعد ظهر يوم اثنين غائظ قبل ثلاثين عاما، رزق في الحي الواقع شمال المستشفى القديم  بمدينة النعمة في الشرق الموريتاني رجل مكافح وسيدة رائعة بطفل، طرق باب الحياة في عام "الدقيق" كما عرف محليا، لاحقا عرف أنه عام وصول دقيق القمح إلى تلك البقعة من أرض الله الواسعة جدا.
كان يوم الرابع عشر من مايو عام 1984 يوما مميزا جدا في تلك العائلة، فالأب يرزق بأول ابن ذكر له، ولاحقا ستعرف الأم أنه سيكون آخر أبنائها.
سنوات بعدها سيدرك هو معنى أن يجمع بين الأول والأخير..
كانت الأم تحلم به عالما فسهرت ليال لتحفيظه القرآن، وكان الأب يحمل به حافظا للقرآن ثم مهندسا أو طبيبا، فكافح كثيرا في الحياة ليوصله إلى هذا الهدف.
في منتصف طريق حلمي الأبوين تشكلت معالم حلم ثالث للابن، حفظ القرآن لكنه لم يتفرغ للعلوم الشرعية كما حلمت الوالدة، ولا للعلوم التطبيقية كما أراد الوالد.
فقبل عشر خمس سنوات من عام 2000 كان في المدرسة رقم ثالث معلم يدرس السنة الخامسة ابتدائية زرع في قلب الطفل حب الأدب العربي ولغته، وشكل منه شخصية حالمة بذكر اسمها يوما بين مصاف الكتاب.
وعام 2001 شكل اختيار طرف رابع خطوة مهمة ليغير المراهق - بعد معركة أدبية-  مسار تخصصه من العلوم التطبيقية إلى الأدب.
كانت تلك خاتمة حلم الأب فرضي بها، وواصل كفاحه ليصل الإبن إلى مراده.
ولأن الأدب لا يطعم خبزا، كان الاعلام أقرب، فشق الطفل طريقه مكتشفا عالما جديدا وقافزا من أحياء النعمة الفقيرة والجميلة إلى شوطئ المتوسط الفقيرة والجميلة أيضا.
تعلم الطفل من أمه توزيع السعادة من دون انتظار شكر، ومن أبيه الكفاح حتى النهاية..
أمضى ثلاثين عاما مبتسما ومكافحا، كان إذا اغتم تذكر كلمة السر بينه وبين أمه، " يا الراجل اضحك".. وإذا هم بالتراجع تذكر كلمة أبيه وهو يصافحه أول مرة مودعا إياه في ليلة مظلمة من أكتوبر قبل عشرة أعوام " لقد اخترت دربك بنفسك .. والحر في ما مشى"
اليوم يودع ذلك الطفل آخر يوم في صباه، اليوم يضع قدمه على أول عتبة في عقده الرابع، جلس طويلا ووحيدا لحساب خسارته وربحه في ما يتفرض أنه منتصف العمر.
لم يتخيل أنه سيكون هنا في هذا اليوم، وحيدا في شقة على مقربة من شاطئ الخليج، لا يشاركه أحد..
**-**-**-**-*-
عند هذه الجملة وصلت رسالة جماعية أصدقائي في قناة الحدث غيرت كل شيء..
صدقوني كلمة واحدة قد تشكل فرقا..
لا أعرف كيف أشكرهم..
لن أكمل النص الذي بدأته فأنا لن أكون وحيدا بعد اليوم.



الأربعاء، 15 يناير 2014

ذاكرتي المسروقة..


أحمد ولد إسلم
عشر سنوات طوال وأنا أرتب رفوفها، أصفف مجلداتها، أنتقى بعشوائية منظمة ما يستحق أن يحفظ فيها، أعود إليها بين الحين والآخر وأحذف منها الذكريات التي افترض ان صلاحياتها انتهت، وكثيرا ما اكتشفت أن ذاك الحكم كان خاطئا، فالذكريات لا تنهي صلاحياتها.
عشر سنوات وأنا أطوف العالم، وربوع الوطن، بحثا عن شتاتي، أهاجر وأهجر، أقيم وأرحل، أضحك وأبكي، أتوسل وأجامل، أبتسم في عز حزني، أفتعل التغافل، تتقاذفني الوجوه المكفهرة والباسمة.. عشر سنوات وأنا أحاول اختزال ثلاثين عاما في ذاكرة احتياطية،.. ثم تسرقها أنت ببساطة.
يؤلمني أيها السارق المحبط أنك ستصدم حين تطلع على تلك الذاكرة التي كانت لفرط بساطتها بارزة، لم أكلف نفسي عناء إخفائها وأنا أرتب حقيبة سفري، ليتك تعرفني، ليت تعرف أني حين أرتب حقيبتي مسافرا لا أضع فيها سوى ما أحتاج إليه، ففي المطارات العربية كل الحقائب عرضة للسرقة..
افتحها على مهل ستجدها طاهرة من الفيروسات، مرتبة بعناية يستقبلك فيها ملف بعنوان "الماضي السحيق".. وحين تفتحه ستجد طفلا قزعي الرأس، يحتضن سلاحا بلاسيتيكيا، يرش الماء.. ويجلس في حضن امرأة صنعت منه اليوم رجلا، يحمل سلاحا يقذف حبرا.
هل تعرف كم أمضيت من الوقت بحثا عن تلك الصورة، وهل تعرف أني لم آخذ مما خلفه أخي المنتقل إلى رحمة الله بفعل انعدام سيارة إسعاف في عاصمة البلد الاقتصادية إلا تلك الصورة،؟ هل تعرف لماذا؟.. لأنها كانت أعز ما يملك، فهي أقدم صورة لي ولأمي، وهي الوحيدة التي تجمعنا وإياه.
ترى هل ستحافظ عليها.. من أجل تلك الذكرى؟
صديقي .. نعم أنت صديقي .. بل أنت أكثر من ذلك، ففي بيتك الآن ثلاثون عاما من حياتي.. في بيتك الآن تضحية فقير، ونضال طالب، وغضب عاطل، وفرح موظف، ومغامرات صحفي، .. ويؤلمني أن من بين تلك المغامرات ما كان على أرضك، ففي ذلك المطار، دخلت قبل ثلاث سنوات أحمل روحي على كتفي، وعبرت منه إلى خط الموت، وعدت مبتسما.
ستجد فيها صور الفرحتين، فرحة العائد من الحرب، وفرحة العائد إلى الحب الذي خاض الحرب من أجله، وتوثيقا لثلاث سنوات من النعيم، مختزلا في ابتسامة خجولة في مصعد كهربائي، ونظرة دائفة على وقع موسيقى نافورة دبي، وليلة العمر في فندق من خمس نجوم... آخ.. جميل أن بعض ذكرياتي لا يحتاج إلى ما سرقت.
ما لا تعرفه أيضا أنك سرقت ذاكرة بلد، فتلك القطعة الصغيرة المهملة في بيتك الآن، كان فيها أكثر من أربعة آلاف صورة تؤرخ لما قبل ميلاد الدولة الموريتانية، بها نشوة الفرح الأولى، حين يعلن الرئيس المؤسس بلغة فرنسية بلكنة موريتانية قيام الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بها أول اجتماع تحت خيمة في العراء، وحفلة عيد ميلاد العاصمة الأول، بها صور سبعة رؤساء انقلب بعضهم على بعض من دون أن تسيل قطرة دم واحدة.
بها صور الانقلاب على أول رئيس مدني لم يكمل الفطام في قصره، تلك الصورة التي كلفتني علامة سوداء على ظهري من ضربة شرطي حانق، ليس لأن نظاما ديقراطيا اعتدي عليه، بل لأنه يعلم أني سأحتفظ بصورته وهو يحرس بوابة وزارة الداخلية، التي أعلن من مبانيها وصول الرئيس المنتخب إلى السلطة.
بها آلاف الصور عن فساد الحكومات، وعن أطفال الشوارع، وأخبية العجائز، وحقول الفقراء، والبيوت المهجورة.
أنت الآن تعرف من أنا، وتعرف أني موريتاني، ولكن قد لا تعرف أن الموريتاني ضعيف الذاكرة، وأني كنت أحتفظ بذلك القرص الصغير لأواجه به تلك الآفة، فغدا قد يأتي إلى قريتنا أحد الذين نبت لحم أكتافهم من أنظمة الفساد، ويقول إنه تاب إلى الله وصار قديسا، وأنه لا شيء يثبت أنه تلوث يوما في بؤرة الفساد.
قد يقول الرئيس الموريتاني الحالي بعد أربعة أشهر أنه لم يرتبك يوما خطئية الانقلاب على رئيس منتخب، وقد يقف ضده من كانوا في كتيبته البرلمانية، وقد يدعمه من كانوا يطالبون برحيله عن السلطة، وقد تراني أنا – إن كنت تشاهد التلفزيون الموريتاني- من بين الداعمين له، لأني فقدت كل ما كان يذكرني بالماضي، وأنا موريتاني.
أعرف أنك لن تعيد إلي ذاكرتي، وأنك قد تكون الآن قد بعتها بما حوت لغيرك، وقد يكون المبتاع، خذف كل محتوياتها، ليملأها بذكرياته، ولكن فقط إن كتب لك أن ترى يوما هذا المقال، أو يراه من صارت الذاكرة في حوزته، أن ترسل إلى تلك الصورة، فأنا لا أملك منها نسخة أخرى.




الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

أيها الرئيس.. الحوض الشرقي عارض

أحمد ولد إسلم

Ahmed3112@hotmail.com

حدثني ثقة حضر اجتماعا قبيل انطلاق الشوط الأول لأحد مبعوثي الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز إلى مقاطعة النعمة، أن المبعوث أخبرهم أن مضمون رسالة الرئيس إليهم أنه "يقبل أن يخسر جميع الولايات باستثناء أن ينتخب في الحوض الشرقي حزب معارض".

أعرف أن هذه الرسالة قد تكون نوعا من "تكبار الكرش" وكلام الساسة المعسول، ولكن إن وضعت في سياقها السياسي فيمكن النظر إليها باعتبارها توجها للنظام ورثه الرئيس الحالي من سابقيه.

فالحوض الشرقي هو الخزان الانتخابي الدائم للنظام الذي يحكم موريتانيا منذ نهاية السبعينيات، فهناك ولدت فكرة أن "الدولة لا تعارض"، وهناك نُشئت أجيال على أن "المعارضة فضيحة"، وأن "موت القبيلة في العشر المواليات نزاهة"، وهناك استغل دهاة الساسة طيبة البدو وكرمهم ونخوتهم، فكانوا يأتونهم طمعا في تعهدهم بالتصويت، وهم الذين تربوا على أن " اللي انطلب مرقو الزرق"، ثم يحتجون عليهم حين تدلهمّ الأزمة أن " الحر لا يخلف وعده".

لكن شيئا ما تغير هذا العام..

شيء ما غير تلك الأخلاق الفاضلة، والمثل العليا التي يتشبث به البداة، ما زالوا كرماء تنفق يمينهم ما لا تعلم شمالهم، وما زالوا أحرارا لا يخلفون عهدهم، ولكن باتوا يدركون لمن تعطى تلك العهود ومن سيحفظها.

خمسون عاما من التهميش كانت كافية لتهجير جل من استوطنوا تلك الأرض، بحثا عن حياة أرحم، وجاء جيل جديد نقي السريرة طاهر الفطرة، استوطن المدن والقرى، ومن الله عليه أن جاء المدن بعد أن سبقه الإعلام إليها، فما عاد يخفى عليه من أمر النظام شي، وبات يقارن حاله بحال غيره، ويدرك حجم الحيف..

بات يفكر أيها الرئيس..

تغيرت لديه المفاهيم، بما في ذلك مفهوم الفضيحة التي كانت مصطلحا فضفاضا تدخل فيه المعارضة.

أيها الرئيس..

نعم الحوض الشرقي عارضك، عارض برنامجك الذي كان آخر من حدثهم عنه، قبيل انتهاء مهلته، وأخبرتهم بملء فيك أنهم مهمشون وأنه لم يبق من برنامجك إلا القليل، وهم يا رئيس الجمهورية يدركون بفطرتهم البدوية أن" اللي ما ج في أول القصعة ماه جاي فاعقابها".

عارضوا وزيرك الأول والوزراء الخمسة الذين انتدبتهم منهم، ليقولوا لك إن الوزارء " ما يندارو فالصابرة".

الوزير الأول أيها الرئيس لا يشفي المريض، ولا يعلم الجاهل، ولا يعيل أسرة من خمسة أفراد.

الوزير الأول منصب مأمور من فيه بتنفيذ ما تقول، وليس مما تقول ما يفيدهم.

السيد الرئيس..

صحيح أن الحوض الشرقي فشل في انتخاب نائب في البرلمان من المعارضة، لكن النتائج التي ربما أطلعك عليها من تولوا صياغتها تكفي.

فحين لا يكون الفارق في مدينة ولاتة العريقة التي تنتظرك بعد أيام سوى بضعة أصوات بين حزبك وحزب معارض، فهذا يعني أنها أرادت إرسال رسالة واضحة المضمون أن تهميشك لها بلغ ما يخرج الحليم عن حلمه.

وحين يعجز مرشحك لنائب عاصمة الولاية عن الفوز بأكثر من بعض وخمسين في المائة، وهو الذي اعتاد ان ينال المنصب بنسب فوق السبعين، فمعناه أن رسالة أخرى أرسلت.

وحين تقول جيكني كلمتها فصيحة مدوية أن الوزراء من أبنائها لا يثنونها عن معارضتك، فهي تقول لك إنها شقيقة النعمة، تهميشا وإحساسا.

السيد الرئيس..

هل علمت أن بلدية الظهر أكبر البلديات مساحة وأكثرهم مجهولية لدى كل الموريتانيين، وأقلهم حظوة في أي شيء من هذه الدولة قد انتخبت حزبا معارضا؟

هل تعرف ما معنى أن ينتخب معارض في بلدية الظهر؟.. أترك لك التأمل في الخبر.

هناك رسالة أخرى ليست لك أيها الرئيس..

إنها للمعارضة..

أيها القادة المناضلون في صفوف المعارضة المشاركة في الانتخابات.. تصويت الحوض الشرقي لكم ليس ابتغاء مرضاة الله، فمن انتخبوا حزب تواصل في بلدية الظهر النائية لم ينتخبوه لمشروعه الإسلامي، فثلاثة أرباعهم لا يعرفون عنكم سوى أن مرشحكم فلان وأن شعاركم نخلة، ومن انتخبوكم في النعمة ليسوا مقتنعين كلهم بالرؤية السياسية لحزبكم، فنصفهم لا يعرفون عنكم إلا أسماء حسنة الصيت وأن اسمكم " الصلاحيون الوسطيون" لا حظوا حتى اسم حزبكم لا يعرفه كثير منهم.

ومن صوتوا لحزب الوئام الديمقراطي في ولاتة حتى شارف على الفوز، لا يعرفون أي فكرة عن مشروعه المجتعمي ولا خطابه السياسي بل لأنه رشح لهم من يرونه تغييرا لوجوه قديمة ألفوها

يا قادة المعارضة..

إن أهل الحوض الشرقي أردوا أن يعبروا من خلال التصويت لكم عن غضبهم من تهميش النظام لهم، وهم يتوقعون منكم ما توقعته شعوب دول الربيع العربي من حكومات الثورات، والتحدي أمامكم كبير في اتجاهين:

الأول: أن تقدموا لهم في خمس سنوات ما لم يقدم لهم النظام في السنوات الخمسين الماضية.. هذا ما يتوقعونه بالضبط.

والثاني: أن تحافظوا على ثقتهم فيكم، وحين ينتخبونكم في استحقاق انتخابي مكتمل الشروط – إن حدث ذلك يوما – فسيكون ذلك قناعة .. وليس تصويتا انتقاميا.

أعود إليك أيها الرئيس لأسألك سؤالا أخيرا..

هل تعرف ما معنى أن ينتخب الحوض الشرقي معارضين؟

أعرف أنك لن تجيب.. فأنت للأسف لا تقرأ الصحف.



الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

ثقافة الاحتجاج


أحمد ولد إسلم

Ahmed3112@hotmail.com

قبل كل حملة انتخابية ينتدب النظام الموريتاني عددا من وزرائه للقيام بجولات في الولايات الداخلية، ولزيارة المناطق الأشد فقرا، والأكثر حرمانا، ويتخذ لذلك ذريعة؛ تارة بتدشين مشاريع وهمية، وتارة بحجة قضاء الأطر عطلاتهم في مواطنهم الأصلية، ولكن الهدف الأكبر والحقيقي من تلك الزيارات هو إطماع المحرومين بنيل حقوقهم التي تقدم لهم قطرات منها قبل الحملة، ويوعدون بالبقية بعد نحاج مرشحي النظام، وتكلف تلك الزيارات خزينة الدولة أضعاف ما تنفقه على تلك المشاريع.

بدأت تلك العادة السيئة أيام ولد الطائع، وما زال النظام القائم – وهو ذاته لم يتغير- ينتهجها، مستغلا جهل عامة الناس بحقوقهم المدنية والسياسية، وحقوق الانسان التي يكفلها القانون الدولي، وينظمها العقد الاجتماعي الموقع بالتراضي بين المواطنين ومن انتدبوا للقيام بالمسؤوليات التي توكل إليهم من خلال الدستور الذي نص على سيادة الشعب.

وسيادة الشعب هذه التي دبج بها الدستور ليست كلمة جوفاء، بل هي حقيقة قائمة، والوعي بها كفيل بإنهاء التلاعب بالحقوق، والمال العام، والمكتسبات الديمقراطية.

فكل من يتقاضى راتبا من خزينة الدولة الموريتانية ليس إلا خادما لدى هذا الشعب يقوم بما كلف به، وللشعب الحق في الاحتجاج على سوء أدائه والمطالبة بمحاسبته، بدء برئيس الجمهورية، وحتى بواب مقاطعة انبيك لحواش في الحوض الشرقي المنسي.

لكن هذا الوعي يحتاج تنمية، تبدأ من المدارس الابتدائية، ولا تتوقف أبدا.

فحين يعلم الطفل في مدرسته، أن أموال الدولة الموريتانية لا تعدو أن تكون حصلت عليها الخزينة العامة، من بيع ثروات طبيعية تكتنزها الأرض برا وبحرا، أو ضرائب تجبى من المواطنين سواء بشكل مباشر من خلال رواتب الموظفين، أو بشكل غير مباشر من خلال الضرائب على السلع والخدمات، أو تكون تلك الأموال حصلت عليها الدولة من خلال قروض وهبات من دول وهيئات أخرى، منحت للشعب الموريتاني، ولم تمنح لمن وقع الاتفاقية، ولا لمن يتولى السلطة.

حين يدرس الطفل ذلك في مدرسته، سيدرك أن له الحق في الاحتجاج على المعلم إذا تأخر عن وقته، وعلى إدارة المدرسة إذا لم توفر له فصلا دراسيا مجهزا، وحمامات صحية، وعلى الشرطي إذا لم يبرز له بطاقته، أو لم يعط أباه وصلا لمخالفة المرور.

وسيدرك أنه ليس ملزما قانونيا بترديد نشيد مرحب بالرئيس حين يزور مدينته، وليس مطالبا بتخليد ذكرى وصول الرئيس بانقلاب عسكري إلى السلطة، ولا أحد يستيطع أن يجبر جاره على حضور لقاء الشعب، بل لا يحق للتلفزة الموريتانية أن تبث اللقاء من دون إذنه.

ومن أراد ديمقراطية حقيقية عليه أن يدرك أنها تبدأ من معرفة الشعب لحقوقه؛ وأولها حق الاحتاج إن لم ينل حقه.

إن ثقافة الاحتاج تبدأ بطفل، وقد ينجح الاحتجاج في استرداد حق فرد، لكنه حين يصير ممارسة يومية لدى العامة ستشب الديمقراطية الحقيقية عن طوق العسكر والقبيلة.

ولا يعني الاحتجاج هنا الخروج في مظاهرات، أو الاعتداء على ممتلكات عامة، بل تصرفات فردية ترفض الظلم.

جربت ذلك عدة مرات ونجح الأمر، كان آخرها حين تسببت سيارة للشرطة بحادث مريع كدت أفقد فيه حياتي.

حدثني الضابط بفرنسية طليقة، فأجبته بلغة انجليزية على كل أسئلته، ابدى امتعاضه من حديثي بالانجليزية قائلا: نحن في موريتانيا ولا نتحدث الانجليزية.

قلت: ما دمنا في موريتانيا وفي إدارة رسمية فيجب أن تتحدث معي بالعربية، وإن لم تكن تحسنها فليتحدث كل منا اللغة التي يريد، ولتبحث عن مترجم، ثم إني لن أوقع على وثيقة رسمية مكتوبة بالفرنسية.. ولم أوقع حتى الآن ذلك المحضر.

تخيلوا لو رفض المعلمون التدريس في فصل بلا طاولات كافية، ورفض الأمين العام الرد على رسالة من الوزير باللغة الفرنسية، ورفض السائق دفع الغرامة من دون وصل، ورفض سكان قرية استقبال وزير في الحملة الانتخابية، ورفض الأطباء العمل في مستشفى بلا معدات طبية، ورفض أستاذ في الجامعة تدريس مادة حتى يطور منهجها، ورفض المواطنون المشاركة في مهرجان للحزب الحاكم، أو استقبال رئيس الجمهورية في زيارته للولايات الداخلية!

أو تخيلوا لو رفضت وزارة المالية دفع رواتب عشرة وزراء تركوا وظائفهم التي أسند الشعب إليهم، وذهبوا لإدارة حملة الحزب الحاكم في الولايات الداخلية..!

هذه الأخيرة لا تتخيلوها أرجوكم..

لأن وزير المالية ذاته يدير الحملة في كيدماغا حسب وكالة الأخبار. إنفو

السبت، 2 نوفمبر 2013

الحوض الشرقي ينتخب معارضا..!

أحمد ولد إسلم


ahmed3112@hotmail.com

هل تريد أن تفضحنا؟!  منذ أن بدأ التصويت في هذا البلد لم يسجل التاريخ أن قريتنا خرجت منها بطاقة لصالح المعارضة، ولن تأتي أنت أيها الصبي الغر لتهز ثقة الدولة فينا"
هذه ترجمة حرفية لكلمات وأد بها أحد وجهاء قبائل الحوض الشرقي في قرية معزولة، طموح شاب للتغيير، ولم يكن الشاب حينها منتميا لحزب سياسي معارض بالمناسبة.
فقد كان ذلك في انتخابات 2001 ولم يكن في البلدية الريفية إلا لائحة واحدة للحزب الجمهوري الديمقراطية الاجتماعي، الذي ورثه حزب عادل وورث الاثنين معا حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وورثوا معه البلديات أيضا.
كان الشاب يحاول إقناع بعض أقرانه بالتصويت للائحة نيابية لحزب التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة الذي كان حينها من أحزاب الأغلبية ثم انصهر في عادل وبعث الله فيه الروح بعد الانقلاب.
الكلمات ذاتها ما زالت تتردد في الوسط الشعبي والقبلي في مختلف المناطق الموريتانية، ولكن صداها في الحوض الشرقي أقوى، والآذان الواعية لها هناك أكثر، ورعاة استخدام الخزان القبلي الانتخابي نقضوا كل عهودهم إلا عهدا واحدا، وهو استخدام شيوخ القبائل لضمان التصويت، ووعدهم أن لا يكون في دوائر صنع القرار إلا من يرضيهم ولاؤه.
بدأت اللعبة بالتزوير، كان شيوخ القبائل يزورون الانتخابات لصالح مرشحيهم الذين اختاروهم في أول انتخابات نيابية نهاية الثمانينيات، وردا للجميل كان النظام الطائعي يعين من ترتضيه تلك القبائل في مواقع السلطة والنفوذ، مطلقا لهم اليد في النهب والإفساد، ضامنا بذلك سكوتهم على فساد بطانته.
ثم تكررت العملية حتى وصلت إلى ما يشبه العرف، ففي كل مقاطعة هناك قبائل تتقاسم مقاعد البرلمان بغرفتيه، وهي دولة بينها، لا يستظل بقبته غيرها.
وحين سقط العقيد انفرط عقد الحزب الناظم للقبائل، ولأن الأمر لم يكن سوى تغييب للرأس والنظام ما زال قائما، رشحت القبائل وجوهها المغبرة مستقلة بإيعاز من النظام، ففازت في الانتخابات، ثم التفت حول حزب الدولة الجديد، وغادرته حين تملص النظام من الرئيس المدني المنتخب، وشكلت الحزب القائم الآن، وها هي تتسرب منه بإيعاز من النظام لتتوزع على أحزابه.
في كل ولايات موريتانيا تقريبا سجل التاريخ ولو مرة واحدة أن نائبا وصل إلى البرلمان من خارج عباءة النظام إلا ولاية الحوض الشرقي.
وهو ما جعل تلك الولاية التي تتمتع بأكبر كتلة انتخابية تزيد على خمس من يحق لهم التصويت، وبها أكبر عدد من النواب (باتوا الآن 13 نائبا) تحافظ دائما على الوفاء للنظام القائم أيا يكن، ويحافظ النظام القائم لها أيضا على واجهة الحكومة، فتمثل منذ التسعينيات برئاسة الوزراء.
ومن ينظر إلى الأمور بسطحية يرى ذلك إنجازا من النظام يقدمه لتلك الولاية، وحقيقة الأمر أن من تولوا صدارة الوزارة كان نفعهم للناس قبل توليها أكثر مما بعده.
ولا يعلمون أن الإنجاز الأكبر للولاية بل لموريتانيا عموما هو تحريرها من ربقة القبلية المستحكمة في رقاب الناس وأصواتهم، تسوقهم سوقا إلى تأييد أعمى يبلغ أوجه قبل الانتخابات، نظرا لتلك الوعود المعسولة التي يوعد بها سادتهم وكبراؤهم، ثم ما يلبثون أن يجدوا السراب، حين ينجلي غبار الحملة الانتخابية.
إن أكبر منة يمكن أن تحسب للنظام القائم - إن كان حقا مخلصا في اهتمامه بالولاية التي أقال ثلاثة من وزرائها بعد زيارة رئيسه الذي اعترف بتهميشهم وصفقوا له على ذلك، - هي أن يقيل كل الوجوه المألوفة لديهم والتي تتوارث المناصب تقسمها ضيزى بينها، ثم تختفي، فلا يراها من أوصلوها إلى ما هي عليه، إلا في الموسم الانتخابي المقبل.
ولا توحي اللوائح المقدمة حتى الآن من أحزاب النظام أن شيئا تغير، ولا حتى بدت لذلك بوادر.
إن فرصة الحوض الشرقي الوحيدة المتبقية هي توجيه ضربة موجعة للنظام من خلال إسقاط كل وجوهه، وإيصال صوت الحوض المعارض أيا يكن حزبه إلى قبة البرلمان، حينها سيجد النظام نفسه مضطرا لإعادة النظر في سياساته الإقصائية، ويأخذ من الحوض الشرقي رئاسة الوزراء ويعطيهم مدارس ومستشفيات وجامعة ومشاريع تنموية.
ثم إن ذلك "سيكسر الحشيشة" بين القبائل وبين المعارضة، وسيعرفون أن المعارضة ليست فضيحة، ولا تخرج من الملة ولا الوطنية.
قد لا يكون ذلك الأمر سهلا في هذه الانتخابات فهي تخاض في ظروف لا يكتفنها الإجماع، والأحزاب المعارضة لا حضور يذكر لها في الحوض الشرقي، لأنها ببساطة أحزاب تقلد النظام في سياسته فتهمش من همش وتنافسه على الاهتمام بمن اهتم بهم.
ولكن إن كان من بين الفائزين الثلاثة عشر نائب واحد معارض، فسيكون في البرلمان الذي يليه ثلاثة نواب، ثم ترتفع وتيرة المعارضة إلى النصف...
والفوق ذاك إجر النظرة..

نقلا عن صحيفة الأخبار إنفو

الأحد، 27 أكتوبر 2013

رقم مخفي.. (قصة قصيرة)

بعينيها الصافيتين، المختبئتن تحت نظارتي قراءة، كانت تجلس في زاوية قصية بأحد المقاهي الراقية في حي " دبي مارينا"، تحرك نسائم الخليج المحاط بغابة من الأبراج طرف ملحفتها لازوردية اللون، وبين يديها كتاب يبدو غلافه أنيقا، وأمامها فنجان قهوة لا يبدو أنها احتست منه أكثر من رشفتين.


وهي منهمكة في مضمون الكتاب الذي تقرأ، ما يوحي أنه رواية جيدة الحبكة، أو كتاب فلسفي عميق، يستهلك كل تركيزها، ويجعلها في عزلة نفسية عن ضوضاء التكنولجيا المحيطة بها، ويلهيها حتى عن الاستمتاع بالنظر إلى الخيوط الرقيقة لأشعة الشمس التي تكافح بصعوبة لاختراق الفراغات الضئيلة بين الأبراج الشاهقة لتطبع قبلة وداع على مياه لم تترك لها اليخوت الفارهة فرصة لرد التحية.



كنت أبث هموما رافقتي من الليلة الماضية، عبر دخان سجارتي المتماوج بكسل، وقعت عيني على تلك الزاوية القصية، انتابني فضول عارم لالقاء التحية.

وتساءلت أيعقل أن تكون موريتانية؟!

إن كانت كذلك فما الذي أتى بها إلى مقهى في أحد أكثر أحياء دبي بروجوازية في هذا الوقت بالذات؟



كانت القهوة والكتاب الأنيق والتركيز المفرط، والتكيف مع الضوضاء الهادئة مؤشرات جعلتني أستبعد كونها موريتانية؟

وكانت الملحفة اللازوردية، وطرفها المنسدل على يسارها، ونقوش خطوط الحناء الدارسة على كفها الأيسر تؤكد أنها قدمت لتوها في رحلة استغرقت اثنتي عشرة ساعة طيران.



قادني الفضول لأكون منها على مسافة لا تزيد على أربعين سنتمترا، وكان عطرها الفرنسي الهادئ، يغالب رائحة الدخان السويدي المنبعث من بين أصابعي.



لم يكن الكتاب الذي جعلها لا تلاحظ قربي اللافت من كرسيها سوى "رواية خيالية" لكاتب انجليزي نشرت في النصف الأول من القرن الماضي تتحدث عن فساد قادة الثورة السوفيتية، الراتعين في الجهل والغباء كحيوانات في مزرعة.



كان عنوان الكتاب كافيا لتبرير انشغالها، فلن تجد اسقاطا لمضمونه أكثر قبولا من الزمان والمكان اللذين تجلس فيهما.



تقدمتُ بلطف وقلت بإنجليزية حاولت جهدي أن لا تحمل لكنة تفضح أصلي، وأنا أضع يدي على الكرسي المقابل لها:



هل تسمحين...؟

تفضل..

لي بالجلوس؟

لا.

وعادت إلى مزرعتها، وعدت إلى حيرتي.



سحبت الكرسي بهدوء مفتعل، وجلست في الطاولة المقابلة لها تماما، طلبت قهوة بحجم فنجانها، أشعلت سجارة أخرى، واسترقت النظر إلى تقاسيم وجه كان من الصنف الذي يوحي إليك أنك تعرف صاحبه من زمن بعيد.



مر نصف ساعة ولم ترفع عينيها عن الكتاب، ولم تحتس من قهوتها الباردة سوى رشفة واحدة، ولم تنتبه لهاتفها الذي تضيء شاشته بين الحين الآخر.



تقدمت إليها نادلة تحمل مغلفا يحوي الفاتورة، وتقدمت مني أخرى فأشرت إلى التي معها، فأتتني، بينما كانت هي تخرج من حقيبة يد جلدية أنيقة بطاقة ائتمان لتدفع..



طلبتُ من النادلة أن تخصم مبلغ فاتورتها ، أرادت أن تستأذنها، فألحمت إليها أن لا داعي لذلك.



وضعت بطاقتها الصادرة عن بنك بريطاني في المغلف وانتظرت عودة النادلة، اثم عادت إلى كتابها الذي لم يبق دون دفته اليمنى سوى صفحات قليلة.



هل يمكن أن أسألك سؤالا؟.. قلت بصوت لا يخلو من خجل.

لا يبدو أنها سمعت ما قلت.. أو أنها فضلت عدم الإجابة.



ارتشفت قليلا من قهوتي الباردة، وسحبت نفسا من سجارتي واستجمعت ما معي من جرأة لاقتحام خلوة فاتنة تتبتل في محراب القراءة لجورج أورويل على شاطئ دبي..



هل يمكن أن أسألك سؤالا؟

وهل تراني في مؤتمر صحافي؟



كانت النبرة جافة جدا، قالتها وهي تضم الكتاب وتدخله بتذمر إلى حقيبتها، نظرتْ إلى المغلف، ثم أشارت بحنق إلى النادلة مستعجلة..



وقفت مستعجلا ووضعت بطاقة تعريفية على طاولتها، ثم انثنيت وهي ترمقني بنظرة مليئة بالازدراء، فشاب هندي الملامح بملابس رياضية وحذاء بيتي يدخن بشراهة، ويغلبه الفضول، قطعا أنه قد لا يكون من صنفها المفضل من الرجال.



ألقت نظرة على الورقة الصغيرة المستطيلة لم يكن بها سوى شعار شركة أميركية اتخذت من دبي مقرا لفرعها التقني، ربما طلبا لليد العاملة الرخصية، أو هربا من الضرائب.. وتحت الشعار؛ المهندس الداه إطول عمرو.. مدير الأمن الألكتروني .. ورقم هاتف، وبريد ألكتروني.



***



مرت أربع وعشرون ساعة طويلة.. هز رقم محجوب هاتفي الموضوع على طاولة بمقهى في مرسى دبي.



الداه يتكلم.. قلتها بانجليزية فصيحة، وهي الجملة التي افتتح بها مكالماتي حين لا أعرف المتصل.



كان صوت دافئ يصل كأنه مختلس من الطرف الآخر من العالم: ذا اللي كنت ليه اتسول عنو شنهو؟..



أحمد ولد إسلم

Ahmed3112@hotmail.com

الأربعاء، 16 أكتوبر 2013

للمجهولين دورهم..

أحمد ولد إسلم
Ahmed3112@hotmail.com

عام أربعة وتسعين وربما قبل ذلك، -فذاكرتي الزمنية ضعيفة جدا- وفي حي "الصفحة" الشمالي بمدينة النعمة، كنت مراهقا ثقيل اللسان، بي تأتأة لا أكيد أبين كلمتين، - كان شيخي رحمه الله يناديني "بو رْعيْدَة" - وكان شخص لا أذكره يستمع إلى مذياع في بيتنا، وقال لي "أنت بعد ما تقد تعود صحافي" فرددت متشنجا بل سأكون صحافيا.
لا أزعم أني تذكرت تلك الكلمة بتمعن قبل ألفين وأربعة حين وجدتني أقدم بحثا أمام مدرج جامعي بقسم الإعلام في مدينة عنابة الجزائرية، أتحدث فيه ساعتين بطلاقة، وفي زهو إطراء الدكتورة المشرفة التي فاجأها من يتحدث الفصحى، تذكرت كلمة ذلك الشخص المجهول.
وفي 2005 حين نشرت تدويناتي الأولى على مدونة كلمات متناثرة في موقع "مكتوب" كانت فتاة موريتانية تعلق باسم سوسو تمر كل يوم بمدونتي وتعلق تشجيعا، وترسل لي ملاحظاتها على البريد، لم ترد أكثر من تشجيع شاب مبتدئ على إكمال دربه، وظلت كذلك حتى أيقنت أني وجدت موطئ قدم في ساحة النشر الألكتروني من خلال مقالاتي الأولى في موقعي الراية والإصلاح، لكن ملاحظاتها تلك كانت المحفز الأول لي لأواصل الكتابة، بقيت تلك السيدة مجهولة إلى اليوم ، ربما صارت الآن مسؤولة في الدولة، أو ما زالت تبحث عن عمل، فأنا لا أعرف عنها سوى اسم مستعار وأن لها الفضل في أن تتجاوز منشوراتي صفحة مدونة مبعثرة في موقع "مكتوب" المهجور، ولم ألتقها حتى الآن.
وفي عام 2006 تجاسرت ونشرت قصتي القصيرة الأولى، بعنوان "صفر اليدين" على موقع المنبر الموريتاني للإصلاح والديمقراطية، وعلق مجهول قائلا" أخي أحمد أمامك درب طويل قبل أن تصير كاتب قصة، ما كتبته لا يتعدى أن يكون إنشاء لطالب في السنة الخامسة ابتدائية، أنصحك أن تقرأ لعمالقة الأدب الغربي والعربي الحديث قبل أن تبدأ الكتابة.. اقرأ لباولو كويلو، ودان براون وأحلام مستغانمي، ونجيب محفوظ،"
قرأت التعليق وتصادف أني أملك في ذلك الوقت ألف دينار جزائري فقصدت مكتبة وسط المدينة واقتنيت الخميائي و"أولاد حارتنا" و"الحصن الرقمي" و"ذاكرة جسد".. واكتشفت أن كاتب التعليق كان صادقا، وتمنيت لو عرفته كي أشكره.
وخلال الأعوام الماضية امتلأت صفحتي في الفيسبوك عدة مرات بالأسماء المجهولة أو المستعارة، لكنها في أغلبها كانت على النقيض من سابقيها، فنصف تلك الأسماء لفتيات موريتانيات يبحثن عن أمل أو متعة منعها المجتمع أو سوء الطالع، أو من شباب يستهويهم انتحال التاء الساكنة، بحثا عن صيد ذوي النفوس الضعيفة، أو من رجال يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة مقابل استخدام اسمائهم المستعارة للجهوم على خصوم السياسة الذين يعجزونهم على الأرض، فيبحثون عن هزيمتهم في الفضاء.
إلا أن متابعة المجهولين قد تكون مفيدة أحيانا، فاسم مثل X ould Y كاد يثير جنون بعض المسؤولين في جهاز الدولة الموريتانية وأثار الرعب في نفوس آخرين، والفضول عند غيرهم. وكان ظاهرة تستحق الدراسة بغض النظر عن حقيقة ما كان ينشر او أهدافه.
واليوم يطل من صفحة على موقع فيسيبوك مجهول آخر، لكنه جندي هذه المرة، يستحق تكريما بل نصبا تذكاريا عند ملتقى الطرق المقابل لمدخل المطار، إنه إكس ولد إكس إكرك ذلك المنقب في كنوز التراث الموريتاني، الملم بدقائق الحوادث، المستمع الجيد لأحاديث المشارفين على توديع الدنيا، ذو الذائقة الفنية الرائعة التي تنتقى أعذب ما في الأدب الحساني الموريتاني فتنشره، وألطف في طرائف الأدباء فتنثره، يجول بين خزائن الكتب المحمية بجلود الأنعام في ولاتة، وما سار به ركبان إكيدي، ورواه حفظة آدرار، لا يختلف اثنان على حسن ذائقته، ولا يتمارى خصمان في دقة سنده، لكنه مجهول.
ربما تعمد الرجل أو المرأة أو مجموعة الأشخاص أن يبقوا كذلك، فلو كشفوا وجهوهم لن يسلموا من جهوي متعصب، ينفر مما كتبوا قبل قراءته، وعنصري يعاني عقدة الاضطهاد يعاديهم لاختلاف لونهم عن لونه، أو أمي يرى ما يكتبون مضيعة للوقت، أو متزمت يرى في إبداعهم فتنة للخلق عن الخالق.
مجهول آخر في الساحة وفي حياتي أيضا لا يقل دوره عن دور إكس هم شباب بلوار ميديا Bellewar MediaCom الذين يتخفون خلف اسم قرية صغيرة في ولاية لعصابة من المؤكد أن أهلها لم تصلهم الكهرباء بعد، وربما لديهم مدرسة غير مكتملة الصفوف، وهي قطعا بلا مستشفى أو سيارة إسعاف، لكن اسمها سيظل خالدا بوصفها أكثر الأسماء التي ساهمت في إثراء المحتوى السمعي البصري عن موريتانيا في الشبكة العنكبوتية.
فليت كل مجهولي الإسم في الفيسبوك كانوا مثل هؤلاء... ليتهم كانوا كذلك.

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

حمار النوبة

أحمد ولد إسلم
Ahmed3112@hotmail.com

"المرأة والطفل و"الدولة" يظنون الرجل على كل شيء قدير"
"إذا أردت تعذيب فقير أدخله السوق عشية العيد"
كلمات تتسرب كثيرا هذه الأيام بين جدوال المياه المحاصرة لبيوت الفقراء والأغنياء ايضا، -فالأمطار كانت عادلة التوزيع-، وبين أقبية الصفيح التي تحيط العاصمة نواكشوط ممثلة دور نساء قريش في الحرب، تمنع الأغنياء من الفرار من وجه البحر الهائج.
لن تكون  تلك الكلمات أكثر شعبية من كلمات أخرى مثل أسعار المستشار البلدي والمشاركة واللوائح وتواصل والتكتل وطبعا فخامة القيادة الوطنية، وبرنامج رئيس الجمهورية والإحصاء ذي الطابع الانتخابي، وقبيلة (...).
لكن كلمة "الحمار" ستعود إلى صدارة التداول ليس في المطار هذه المرة بل في أكثر البيوت الموريتانية.
ولأن المناطق الشرقية في موريتانيا هي الأكثر كثافة انتخابية، والأكثر بلديات وهي الفيصل في نسبة تمويل الأحزاب من السنة المالية المقبلة.
فهي بالتالي الأكثر أطفالا، ومشكلة الأطفال وأمهاتهم أنهم  مثل الحزب الحاكم لا يهمهم إن كان المعني مقتنعا بما يطلبون، المهم أن يقوم به، وبعد العيد بأسابيع يمكن أن يجد فرصة للنقاش، ولكن حينها سيكون الأوان قد فات.
في عصر ما قبل الكهرباء – والذي ما زال يعشيه أكثر من نصف مساحة البلاد- كانت للأطفال وسائلهم الدعائية التي تشوه سمعة زملائهم، وتساهم في تصفية الحسابات السياسية الناجمة عادة عن الصراع على زعامة المجموعة.
كان يكفي أن يردد طفل واحد من المجموعة وهو في طريقه إلى مصلى العيد "فلان أحمار النوبة" حتى يرددها بقية الزملاء، ويجد "الحمار" نفسه محاصرا بأصوات الدعاية المغرضة، وعلى ضوء خبرته في التعامل مع الأوضاع الحرجة يوجد لنفسه مخرجا، فمثلا قد يقول: لدي اتفاق مع أمي أن لا ألبس ملابسي إلا بعد العيد حتى لا تتسخ؛ لأن ظروف العيد غير ملائمة للمشاركة بملابسي، أو يقول هذه الملابس جديدة ويصر على ذلك، مع قناعته أنها قديمة.
لكن الطفل الذكي كان يبادر بالهتاف  ضد شخص غير محدد "أحمار النوبة.. أحمار النوبة" ويرفع صوته فيرتبك أصحابه الغوغاء الذين يصرخون عادة حين يسمعون الزعيم يصرخ من غير أن يعرفوا لمن توجه الإهانه.
وكثيرا ما تفيد هذه الحيلة أبناء الفقراء في درء الفتنة.
وهناك هتاف آخر كاد يتسبب في أيام طفولتي بأزمة نفسية لإحدى السيدات في مدينة النعمة، حين اجتهدت في اختيار أحسن ملاحفها، ومرت بشارع به مدرسة من المشاغبين فأحاط بها الأطفال يصرخون "ماهي جديدة أللا مصقولة".. تصور المشهد..!
تصور أيضا لو هتف الأطفال ضد أحد المرشحين الذين وصلوا إلى مقعد البلدية قبل ولادة آبائهم وما زال هو العمدة مرددين "ماه جديد ولا مصقول"
كانت هناك طرق عدة لدى الأمهات أساسا ولدى الآباء في أحيان أقل، لتضميد جراح الأطفال ضحايا الدعاية المغرضة، وذلك حسب أعمارهم، فمرة يقنعونهم أن الملابس التي يلبسونها جديدة ويكررون عيلهم ذلك، بل قد يتآمرون مع المخلصين من أصدقاء أطفالهم لإبداء الإعجاب بتلك الملابس.
وإذا كان الطفل قد اقترب من سن المراهقة، فعادة ما يتكفل الأب بإقناعه أنه ليس "حمار النوبة"، وذلك عن طريق تفخيمه و"غسل دماغه اليابس" والقول إنه صار رجلا، وملابس العيد خاصة بالأطفال غير الناضجين، ولا يدل الجري وراءها على تحمل المسؤولية، تماما مثل إصرار شاب أن يكون رئيسا للائحة بلدية ريفية ترشحها المعارضة.
الفرصة التي ضعيها رئيس الجمهورية أنه لم يدع إلى تأسيس حزب لـ"حمير النوبة" على غرار أحزاب الشباب والعبيد السابقين وإذاعة القرآن الكريم وتطبيق الشريعة، ومحاربة الإرهاب.
عموما لست متأكدا لحد اللحظة إذا كنت سأنتسب إلى الحزب غير المرخص ، لكني متأكد أن نسبة كبيرة من الموريتانيين أعضاء فخريون في مجلسه التأسيسي، حتى ولو تظاهروا بعكس ذلك، أو غاضبوا وترشحوا في لائحة حزب آخر.

طبعا باستثاء الوزير الذي دفع 34 مليون في الحملة الدعائية للاحصاء ذي الطابع الانتخابي.. والسيد رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز.

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

إسمي المستعار..

أحمد ولد إسلم

درجت العادة أن يكون اللقاء الأول لقاء تعارف، يقدم فيه كل شخص نفسه بالطريقة التي يريد، ويعرض فيه بذاتية مطلقة ما يراه في نفسه، كما نسمع في نشرات مساء اجتماع مجلس الوزارء الجدد الذين يلتحقون بالحكومة بعد التعديل، فيعرف كل واحد نفسه والمهمة الموكلة إليه.
لا أعرف إذا كان ذلك ينطبق على الحكومة نصف الجديدة، فقد قرأت أن وزير النفط والمعادن فيها قال إن الديمقراطية في موريتانيا متقدمة، وكذلك وزيرة الوظيفة العمومية تحدثت عن تقدم الاحصاء ذي الطابع الانتخابي.
وبما أن هذه هي المرة الأولى التي سيجد فيها قراء صحيفة الأخبار أنفو جزء من إحدى الصفحات محتلا من طرفي، فمن حقهم علي أن يعرفوا من أنا.
ولا أخفيكم أني أجد صعوبة في ذلك، فخلال الأعوام التي مرت  بين 1984 وحتى 1991 لا أتذكر بالضبط كيف كان اسمي، عموما درجت العادة أن أنادى باسم "تحليب" مرة "محمود لمولانا" ومرة "الوالد" ومرات كثيرة اسمع اسمي الأكثر تداولا في تلك المرحلة.. وأعتقد أنه لا يهمكم كثيرا.
بداية من 1991 وحتى 1998 كان اسمي أحمد ابن إسلم، وفي إحصاء 1998 تبرع أحد الشباب العدادين بإضافة ياء إلى اسم أبي، وإبدال "ابن" بكلمة ولد" وتسلمت ورقة سجل الازدياد مذيلة بالعبارة التالية" الإسم الرسمي للولد: أحمد ولد إيسلم".
وعشت طويلا بذلك، حتى حصلت على شهادة الباكالوريا فجاء اسمي فيها أحمد بن إسلم، لم يؤثر ذلك كثيرا بل لم أنتبه إليه حتى.
وفي أوكتوبر 2003 تبرع أحد كتبة الأمن الموريتاني بإضافة واو الجماعة وألفها إلى جواز سفري فضلا عن الياء التي سبق أن أضافها عداد الإحصاء فصار اسمي "أحمد ولد إيسلموا" وهو اسمي الرسمي الذي درست به سنواتي الجامعية الأربع، ولصعوبة تقبل الإسم  أمضيت أربع سنوات أنادى باسم "أحمد إسلام" وهو الإسم الذي يعرفه كل زملائي الجزائريين، وخضت معركة لإقناع الجزائريين بكتابة اسمي على الشهادة، كما أنا مقتنع به "أحمد ولد إسلم"
في عام 2007 أردت تصحيح الإسم في جواز سفري ليتطابق مع الاسم الموجود في الشهادة، فكان رد الضابط المسؤول أن أي جواز جديد لا بد فيه من بطاقة التعريف وأن يكون الاسم فيه مطابقا لها، ولأني مضطر للسفر حينها مهاجرا عن هذا البلد، لم أجد مناصا من القبول مكرها، فصار اسمي "أحمد اسلم محمد غلام" موزعة بالترتيب بين اسم الشخص واسم ابيه واسمه العائلي.
خسرت بسبب ذلك التعديل التسجيل في عدد الجامعات التي وافقت مبدئيا على قبولي للماجستير، ولكن الاسم الوارد في الشهادة لا يتطابق مع الاسم الوارد في الجواز، كما خسرت قرعة البطاقة الأميركية الخضراء حيث تقدمت إليها وكان اسمي حينها أحمد ولد إسلم، وحين وقعت علي القرعة في 2007 كان حينها اسمي قد صار أحمد إسلم محمد غلام، ولم أتمكن من شرح ذلك للشابة الأميركية التي كانت تراسلني من وزارة الخارجية.
المهم.. بقيت في الوثائق مكرها أحمد إسلم محمد غلام، إلى غاية فبراير الماضي 2013، حين صادر شرطي في مطار نواكشوط جواز سفري، لأتفاجأ أن إحدى الفتيات المنزعجات في مكتب الإحصاء تصر أن يكون اسمي "محمد غلام أحمد" وبعد كثير من الوساطات من الوزن الثقيل توصلنا إلى صلح أن يكون اسمي "إسلم محمد غلام" في خانة الاسم العائلي و"أحمد" في خانة الإسم.
عدت مسرورا إلى دبي، لأتفاجأ مرة أخرى بمندوبة بنك ترفض أن أسحب شيكا من حسابي الشخصي لأني لا أملك الحق في سحب مبلغ من حساب أحمد إسلم، لأني إسلم محمد غلام أحمد.
خلاصة القول أني الوحيد في العالم المقتنع لحد الساعة، اني أحمد ولد إسلم، ولا شيء يثبت ذلك الآن إلا شهادة حصلت عليها من جامعة عنابة ورفضت القنصيلة الجزائرية في الإمارات تصديقها لأنها تتطلب تصديقا من الخارجية الجزائرية.
.. أرجو أن تكونوا استطعتم في هذه العجالة المختصرة جدا عن كرونولوجيا اسمي معرفة المطل الجديد عليكم من صفحات الأخبار أنفو.

وإن لم تسيطيعوا ذلك فلن تكون المرة الأولى.. فأحمد ولد إسلم هو اسمي المستعار.