الخميس، 12 فبراير 2009

فات الأوان..(قصة قصيرة)

أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com
بعد ازدحام طويل على شباك المكتبة، أعطاني الموزع الكتاب الذي طلبت ، لم يسألني عن بطاقتي ، كان شاردا وبين الفينة والأخرى يختلف النظر إلى شيء ما على طاولته ، يبدو وردة ابلاستيكية أوما شابه، والطلبة في ازدحام كبير عليه.. لا يبدو مباليا بهم ..
دخلت قاعة المطالعة ، جلت ببصري فيها ، كل الطاولات مشغولة ، أعدت النظرة متفحصا كل طاولة على حدة..على كل واحدة يجلس فتى وفتاة ، أغلب الفتيات يرتدين ملابس وردية أو زهرية أو حمراء ، حتى الفتيان متأنقون ..
على بعض الطاولات ورود لا أعرف أنواعها حقيقة..أنا أحب الورود.. أحبها كلها، تمثل لي الدفء والحب والحنان، لكن لا أعرف أصنافها ، لم ألمس وردة قبل العشرين من عمري، بيئتنا قاحلة لا تنبت الحب ..
في ركن قصي من الزاوية الشمالية الغربية منضدة صغيرة شاغرة منتصبة في صمت بين كرسيين صغيرين ينظران إليها كأنهما يغاران من بقية الكراسي.. اتجهت صوبهما ، وضعت حقيبتي الكسلى على أحدهما وجلست على الآخر ، نظر الكل إلي، ربما أنا الوحيد الذي لم أبالغ في التأنق هذا الصباح ، .أحب أن أكون على طبيعتي أكره المبالغة في التأنق.. بدأت أتصفح الفهرس ، ثم رفعت رأسي …
كانت تجول ببصرها في القاعة كأنها تبحث عن شخص، أو ربما عن كرسي شاغر …بدت قويمة القد ، شعرها الحريري الأسود مسترسل على كتفيها ، لمياء ، لا تستعمل محمر الشفاه ، بعينيها النجلاوين تجول في القاعة ، تقابلتا مع عيني ، ابتسمت عن در تلأللأ نظمه ، كاد يخطف بصري ، أسرعت الخطى مقبلة نحوي، كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه .. خجلت من إمعان النظر فيها.. شعور كثيرا ما ينتابني حين تتقابل عيني مع عيني امرأة حسناء…
أعدت النظر في فهرس الكتاب..عبق لم أشتم أحسن منه في حياتي ملأ أنفاسي، استنشقته بإمعان ، وكأني أريد التزود منه في وجود سحب الدخان التي تغطي قاعة المطالعة ، بابتسامة كفلق الصبح قالت: صباح الخير
- صباح البشر ياوجه البشر
مدت يدها بلطف بالغ لمصافحتي ، نظرت إليها وكأني أريد أن أقول شيئا..
أرجعت بهدوء يدها.. أنا آسفة ..هل يمكن أن أزعجك بالجلوس؟
تزعجينني !…بالعكس هذا من دواعي سروري، شرفت المكان ، وأزحت حقيبتي عن الكرسي وضعتها بجانبي.
نظرت إليها أحسست بشعور غريب ، كم هي ساحرة نظراتها ، تسارع نبض قلبي ، وكذلك حدث معها ، تسارعت أنفاسها..بضع ثوان والصمت اللذيذ يخيم على المنضدة الصغيرة ، وعبق عطرها الفواح يغمر أنفاسي ويدها اليسرى لاتزال خلف ظهرها تخبئ فيها شيئا ما …فتحنا فاهانا معا.. كأننا نفكر بدماغ واحد.. ضحكنا قليلا ..
تفضلي هل تودين قول شيء
تلعثمت قليلا ثم استرسلت ..نعم هل لي أن أسألك سؤالا شخصيا ؟
- بكل سرور
- هل تشعر بالزمن؟
- لم أفهم ..ماذا تقصدين ؟
- أعني هل لبعض الأيام ، أو بالأحرى بعض التواريخ قيمة معنوية بالنسبة لك ؟
- بالتأكيد.. هناك تواريخ تبقى في الذاكرة
- مثل ماذا ؟
- عيد ميلادي …يوم غادرت بلدي أول مرة.. تواريخ أخرى كثيرة..
- ما ذا يعني لك تاريخ اليوم؟
- اليوم .. ؟
- لي شخصيا ؟
- نعم ، لك شخصيا ؟
-لا أذكر
-لا شيئ؟..حادثة ..حدث …مناسبة؟
-آه..اليوم ذكرى اغتيال ..
أوه – مقاطعة- ..لا..دعنا من المآسي ..أقصد ذكرى سارة ..هل أهديت أحدا ما وردة في هذا اليوم أو هدية أوشيئا من هذا القبيل ؟
سأتذكر..آه..نعم في مثل هذا اليوم من العام قبل الماضي اشتريت باقة من الورد لأهديها لزميلي بمناسبة مناقشته رسالة الماجستير
-ألا تذكر شيئا آخر ؟
تأملت قميصها الوردي ، وشعرها المسترسل على شالها الأحمر ، وهي تنكشه بأناملها الحريرية ، شردت.. تهت في ذا الجمال الباهر ،..نبهتني بقولها :
على العموم هذه لك.. ووضعت على المنضدة الصغيرة علبة مغلفة مربوطة بخيط أحمر وفوقها وردة ندية
لي أنا ؟! أنا ..لكن ..بأي مناسبة ؟..لماذا كلفت نفسك ..؟!
ستعرف حين تفتحها ..ولكن لا تفتحها الآن ، حتى تعود إلى منزلك وتكون وحدك ، عدني بذلك..
أعدك ..أشكرك ..أنا ممتن لك …هذا يوم لن أنساه
تنهض ..يفوح عطرها العذب …استنشقه بإمعان لافت …
- إلى أين ؟ اجلسي لم تمض إلا دقائق..
-أنا مستعجلة ..جئت فقط من أجلك ..بحثت عنك في الساحة، لم أجدك..خمنت أن تكون في المكتبة ..
ابتسمت ، رمقتني بنظرة آسرة ، وبشفتين مرتعشتين قالت : إلى اللقاء..
شيعتها بنظري وأنا تائه ، أرمق قدها الساحر ، وشعرها المسترسل على كتفيها .. حتى اختفت خلف سحب دخان السجائر التي تغطي قاعة المطالعة …
نظرت إلى العلبة .. لما ذا تهديني علبة ؟
أنا أكره العلب …أمقت أي شيء معلب ، الأفكار المعلبة أكرهها ،السياسات المعلبة أكرهها .. حتى الأرز المعلب أكرهه، صاحب الدكان المجاور صار يعرف ذلك وأصبح يزن لي من الكيس مباشرة .. والحب المعلب أيضا أكرهه ، أحس أن التعليب يفقد الشيء نكهته .. أمسكت طرف الخيط الأحمر ..تذكرت ..وعدتها أن لا أفتحها حتى أعود إلى غرفتي ..سأعود حالا ..
ولكن لماذا أنا دون غيري …؟ أنا لست وسيما ، لست متأنقا ، لست دميما جدا ، ولكني أيضا لست وسيما ، أنا أعرف ذلك ، لا أعول كثيراعلى شكلي .. لماذا تجاوزت كل الفتيان وقصدتني ؟ .. ماذا تحوي هذه الهدية ؟..
أنا لاأحبها ..لا أكرهها، لكني لا أحبها ، فكرت مرة في مفاتحتها …ولكن ما لبثت أن غيرت رأيي ..من الصعب أن ترتبط بأجنبية … ولكن هذه بداية عامي الرابع معها ، لم تحدثني مرة عن الحب ، أذكر أنها كانت تسألني عن عادات الزواج في بلدي ، ولكن محض فضول …
هل يمكن أن تكون تحبني ..؟ لماذا لم تصرح بذلك طيلة ثلاثة أعوام ؟
ربما تكون فكرة أخرى ..لماذا ينصرف ذهني دائما إلى الحب ؟
أحكمت إغلاق غرفتي استلقيت على سريري بإعياء .. تذكرت الهدية ، فتحت العلبة، ظرف بداخلها ، فتحته ، به هدية على شكل كتاب ، حين تفتح دفتيه ينطق بفصاحة بالغة :Happy Valantine’s day…Happy Valantine’s day.. وحين تغلق الكتاب يصمت، ومع الهدية ورقة صغيرة ، مكتوب عليها بخط رائع : "اليوم أعلنت عليك الحب "..احتضنت العلبة قبلتها …نعم قبلتها ..واستنشقت عبقا انبعث من الورقة الصغيرة ..وبت أحتضنها …
في الصباح دخلت أقرب محل لبيع الهدايا ، اخترت منه هدية رائعة ، غالية الثمن ، طلبت تغليفها ، غلفها صاحب المحل ببراعة ، كأنه يقرأ أفكاري ..استوقفت تاكسي طلبت منه إيصالي إلى الجامعة ، وضعت هديتي على مقدمة السيارة ، بجانب وردة ذابلة كأنها قطفت بالأمس ..
دخلت الجامعة .. نساء التنظيف يجمعن أكوام القمامة ، كلها من بقايا أشرطة حمراء، وعلب فارغة، وورود ذابلة ؛ أغلبها ابلاستيكي ، وبعضها طبيعي ، كانت إحداهن تدوس على وردة ندية متعمدة بنعلها وتغمغم : لايعروفون من الحب إلا اسمه ..
وأنا أتفرس الوجوه ، أبحث في الزحام عن وجهها ، عن وجه أريج ، أستنشق الهواء بإمعان علني أستدل عليها بعطرها .. وهناك في ركن من الساحة لمحتها .. تقدمت إليها حبورا .. لم أر في وجهها سمة استبشار … لم أشتم أي عطر …اقتربت أكثر …استنشقت بإمعان ..لا عطر …لا رائحة ..لا ابتسامة …عيناها غائرتان …قميصها أسود..كشعرها …سلمت عليها … ببرود ردت السلام … قلت مسرورا : هذه لك ، وناولتها الهدية …
قالت بلهجة محلية متكسرة : ماهوش في وقتُ ، فات الأوان ...
غادرتني.. وقفت ذاهلا.. وأنا أرمق شعرها الحريري المسترسل على قميصها الأسود ، وفي طريقها داست وردة حمراء ندية… والعجوزالمنظفة تعقبها وهي تقول:
دوسي عليها ..دوسي عليها ..اليوم ما هوش يوم الحب …
بقيت مشدوها ، وهديتي في يدي ، أشيعها بألف سؤال.. "والشعر يلهث خلفها "
وغابت في زحام النساء المتشحات بالسواد … والعجوز تجمع الورود الذابلة …وصوت مزعج يكاد يمزق طبلة أذني …انتبهت فزعا ..إنه منبه هاتفي …وصوت المؤذن يشق صمت الوجود مناديا لصلاة الفجر …أنظر التاريخ في هاتفي.. لا فائدة .فقد فات الأوان.
عنابة – فبراير 2007
* صحفي من موريتانيا

الثلاثاء، 3 فبراير 2009

لفتة المصير..

أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com

مثقلا بالأسئلة الكبيرة والسخيفة، تتقاذفني الأولويات، تشط بي الأفكار..تنعكس الصورة المفزعة على زجاج السيارة المغبر،...مشهد يجمد الإحساس..تتسلل الهمسات الخافتة إلى أذني تقطع حبل الشك ..تكتسحني قشعريرة جارفة، أقيس سريعا المسافة الفاصلة بين قلبيكما لم تكن تزيد على الشبرين..
كانت ملامحه واضحة..رجل قاسمته الأفكار والأحزان..يشاركني هواية القلق، نمتلك معا موهبة ، نكء الجراح، وحفظ أسماء السلاطين عن ظهر قلب..نخطط معا للهجرة إلى اللا نهاية..نكفر كلانا بالوطن..بالقبيلة..ونؤمن بالحلم.
كان قرار الإلتفات صعبا..بل جريمة، ماذا سأقول حين تلتقي أعيننا الست في دائرة الخجل الحمراء..؟
حين تتضاعف جاذبية الأقطاب السالبة في نظراتنا،..تتنافر المشاعر..يضرب كل منا برجله الأرض، عل قدمه تسيخ في موطئها..!
كيف سأقنع الهاجس المختبئ في حنايا الروح أن الصداقة تقتضي تقاسم كل شيئ..؟
وأن الأنانية المفرطة التي ننغمس فيها كل فجر..نعمد فيها أبكار أفكارنا..وكل المفردات التي نجترحها من قواميس ابن حزم، لم تكن غير رسوم عبثية زين بها وجه تستر وراء المساحيق، تخفي ألوانه المتناقضة دمامة ما تلبث تفضحها أول دمعة أو ضحكة، أو حركة مفاجئة..؟
تتكاثف الأشكال العشوائية أمامي، تحجب عني التفاصيل الدقيقة لوضعكما،..والهيئة ما تزال كما هي..وإن خفت الهمس.
أحسست أن الموقف لا يستدعي الإجابة الآنية على كل تلك الأسئلة، وأن لفتة جزئية ستضع حدا لنهاية حلم أو حياة أحد الثلاثة..
سقطت مفاتيح السيارة من يدي، ومن الأخرى سقطت رزمة أوراق كنت أدون فيها خواطر بعيد حديثنا البارحة، وسقط قلبي..وقلمي أيضا سقط.
أهو الحلم..أهي الغيرة..الحب..الحقد..الأنانية..أم تراه الغضب..؟!
لم تسعفني اللحظة بإجابة، فيما اللاشعور ينحني يلملم ما نثرته العاصفة، يتلمس المفاتيح..
ترتعد كل خلية في كياني، تلح إحداها وهي قابعة في تلافيف دماغي على يدي أن تتحرك، وعلى عنقي أن تستدير ربع دورة..وعلى رجلي أن تتخلص من تخدرها المباغت..
لكن الثورة الهوجاء ألغت امتيازات الدماغ، ما عادت له سلطة التحكم والتعقل..
تتشظى الهواجس مخترقة مسامات جلدي، تقف كل شعرة على انفراد، متصلبة في استعراض منتظم للقدرة على التفاعل..وتهطل زخات العرق على الزجاج جارفة الغبار، لتشكل بقعة ساطعة..
أمعن النظر في المشهد، أرجع بصري كرتين..لاشيء
أضغط بعنف على عيني، فتكثر الأشكال العشوائية، وتحمل زوبعة كيسا مطاطيا يغطي البقعة الساطعة..
أستدير بوجل..تسابقني نظراتي إلى موضع اللقاء المشؤوم، تشتعل الأسئلة الحارقة، تلح الإحتمالات، تبعث خلايا التسلط أوامرجديدة..
يتكسر كل ذلك على المدى المشبع بالغبار..يتزاحم المسارعون في المدارات، الباحثون عن عن إجابات مقنعة، لاستفسارات حتمية مساء كل يوم.
ينبجس في خلدي شعورعارم، أفقد السيطرة مجددا على وجودي..أفغر فاهي..تتطاير الأسئلة في الهواء، تدور عيناي مفتوحتان بطاقتهما القصوى، تحملقان في الأفق السحيق ..بلا جدوى.
يقودهما الحدس عنوة..تستقران على زقاق يلتهم سواده بقايا ثوب تخلف عن صاحبه شبرين..ويدا تستحثه على اللحاق..
صحفي ومدون موريتاني

الاثنين، 26 يناير 2009

وحصلت عليك..أخيرا

أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com
بخطوط متفاوتة أرسم ملامحك على خلفية زجاجية شفافة، تساعدني النسمات المنسابة برفق صباحا، أتفنن في تشكيل قدك، أراعي في توازنه حاجتي الآنية، فطورا أطيل جيدك، أمددك باسترخاء، أنضح عليك رذاذا ناعما..وآخر أرسمك راكعة مستوية الأطراف، تشكلين هلالا ترق حواشيه ويعظم جذعه..
تفاجئني دائما مزامير السيارات المستعجلة قبل أن أرسم التوقيع الختامي، فأضطر إلى مسح التشكيلات بسرعة، مخافة أن يكتشف أحدهم الرموز الأولى فيدفعه الفضول إلى التمهل لمعرفة الحقيقة..
أرمقك عند متلقى الطرق الرابط بين الحلم والأسعار، حيث تلتقي رغبتي الجامحة في لفك بقمصي المرقع، وخشيتي المفرطة من نظرات الأطفال المتسابقين إلى السيارات الملتزمة بالضوء الأحمر على قلتها، وهم يتراقصون على نغمات القطع المعدنية التي تعيق مكعبات السكر ضبط نوتاتها.
أراك بك الزوايا، في كل الوجوه، بين حروف وثائق التأمين، وداخل لوحات الأرقام المزورة.
أتلمسك بين النظرات الشاردة للمسرعين على طريق الأمل، ويزداد وجهك ألقا عند زحمة الغروب..أكاد أقسم أني أعانقك؛ أدفن أصابعي بين أضلاعك، أنهشك بشره..وكلما أيقنت بذلك، يزول الغبش قليلا عن زجاج أحدهم فيضع في يدي قطعة معدنية، يشعرني ملمسها الصلب أن من كنت أرمق ليست أنت،.. وإن كنت أحس أنك على مقربة من المكان، يفصلني عنك حاجز رفيع..
أغير موقعي، تخلو الشوارع تدريجيا، تتغير اتجهات السير، يكثر المهرولون إلى الشواطئ، تنبعث روائح العطور الفرنسية، تمتزج برائحة العرق، مشكلة خليطا أقنع نفسي أنه شبيه بعبقك..وأحيان لا تصدقني.
أتلفع ببقايا قميصي، أتحامل بعزم، أشد خيوط أحذيتي، فتفوح الجوارب، تسقط قطعة القماش البنية على الأرض، تتبعها قنينة التلميع، يحدث وقعها رذاذا خفيفا ممزوجا بطين رمادي اللون، يلامس وجهي فأقتنع أنها ليست الوضعية المثلى لطلبك..
أرتمي بعناء على عتبة البنك المجاور، أستغرق برهة في التفكير، تبتعد عني تدريجيا ضوضاء الشارع، تنساب حروف اسمك فوق شفتي، عذبة..عذبة جدا..أرددها بلا وعي، وأنسى أوجاعي..
تصطدم خيوط القمر الفضية بقنينة الملمع تشع على البلاط، تتمازج مع الضوء المنبعث من الداخل، يرسم ظل القنينة وبريقها، شكلا يشبهك حد التطابق..
يمر الشريط سريعا أمامي، أذكر يوم كانت أمي تعدني أن تكوني مكافأتي حين أنجز عملا صعبا، يوم كنت أردد سورة الإخلاص عشر مرات قبل النوم من أجل أن أحظى برؤيتك في الغداة..
يوم كنت أتمارض لأقنع معلمي الفظ بضرورة الخروج دقائق قبل نهاية الدرس كي ألتقيك على انفراد..
لم أك أدرك أنه كلما تقدمت في العمر أشهرا، تتضائل فرصي في الحصول عليك..
تفزعني القطع المنسكبة من جيبي على البلاط، فأعود إلى الواقع، أجمع النقود المتناثرة، أدققها، أستل ابتسامة باهتة، وأعقد العزم على لقائك.
لن يكون لائقا أخذك إلى مخبئي في الشاحنة المتهالكة التي يرمي فيها المنعمون بقايا طعامهم..ولكنه المكان الأنسب للقاء.
أتقدم بتثاقل..يتحول البرد تدريجيا إلى صقيع، أشد بقوة طرفي قميصي فتعزف الخروق سينفونية هادئة، يتجهز الحراس لإحكام إقفالهم، أصب في كف أحدهم قطعا مبعثرة، فيسمح لي بالتسلل إليك..
وأخيرا أضمك إلى صدري كم أنت ساخنة، ستكونين غطائي، وغذائي أيضا، أيتها الخبزة اللذيذة..غدا سأرسمك على زجاج أول سيارة ألمسها..وسأوقع لوحاتي بالحرف الأول من اسمي..لن أخجل من ذلك بعد الآن..
*صحفي ومدون موريتاني

الجمعة، 7 نوفمبر 2008

ضحيتي الأخيرة..



أحمد ولد إسلم
لم تكن لدي القسوة الكافية لأقطع صوتك اللاهث في الهاتف بخبر كهذا، وكنت أنصت بسادية فجة لخرير المشاعر المتدفقة من قلبك كشلال جبلي صافي المعين، فيما أنا في تلك اللحظة تسابقني أناملي الخشنة إلى لوحة المفاتيح لأهدم أساس ذلك الصرح الذي تقفين الآن في ظله الوارف وأنت تتأملين باعتزاز كيف استعطت تشييده من الرؤى والأحلام والكلمات الرقيقة..ولم تكوني تدركين أن السنة التي أكملتها في زخرفته تكفي نقرة واحدة على زر "الموافقة" لنسفها..
ما كان يغيب عن ذهني أنك الآن منهمكة في تغليف الهدية التي جمعت ما استطعت من مصروفك طيلة الثلاثة أشهر الماضية لشرائها، وأنك تحسبين الوقت بالعد العكسي في انتظار الساعة السادسة و أربع وعشرين دقيقة مساء لتسليمها لي..
لكني قدرت أنه حين تصلك رسالتي بفارق ثلاث دقائق قبل ذلك التوقيت سيكون كافيا لإنهاء ما كان لهذا اليوم من دلالة..فلن تحتفلي بعد اليوم بهذا التاريخ..وستجعلك رسالتي تنسين إلى الأبد رمزية ذلك المساء الذي كان جميلا، وكانت شمسه تميل إلى الغروب بتمهل لتمنحنا فرصة التقاط صورة تذكارية، ما زلت انت تحتفظين بها، أما أنا فقمت بإعادة تأهيل القرص الذي حفظتها عليه في نفس اليوم.
أعرف أنك لن تكوني قادرة على تصديق أن الرسالة التي لا تتجاوز كلماتها أربع مفرادات" أبلغك قراري إلغاء مشروعنا" ستكون الصوت المزعج الذي يوقظ من حلم كنت تستغرقين في تفاصيله..
ولن تستوعبي كيف استثكثرت عليك أن أصيغ الجملة الوقحة بأسلوب أكثر وضوحا أو أن أورد فيها فعلا للإلغاء، لا أن أجعله مفعولا لمصدر العنجهية المتعالية على مشاعرك...
ولأكون صادقا معك فإني أيضا لا أعرف لما اخترت هذه الصياغة، ربما لأن رسالة الهاتف لا تقبل أكثر من سبعين حرفا، أو أني لا أريد أن أطيل عليك في تفاهات لن تقنعك.
وتتسائلين في نفسك المعذبة كيف لم أشرح لك دوافع هذا القرار الطائش؟
والإجابة أن الأسباب التي اتخذتها جُنة من نظراتك الزائغة لم يكن بينها سبب واحد فيه من الوجاهة ما يكفي لإقناعك..فكان الأولى عدم إرهاق أعصابك بكلمات يابسة تتكسر عند أول قراءة، كهشيم كذب تذروه رياح المجادلة..
سيكون صادما لك أن تعرفي أنه في الوقت الذي كنت تنصتين بتمعن نادر لأنفاسي الحارة خلال الليالي التي استنفذت فيها عروض جميع شركات الاتصال، وتعتقدين أن حرارة النفس من حرارة الشوق إليك..أن تلك الأنفاس ليست سوى تنهيدات شفقة عليك..فأنا في ذلك الوقت أكون مشغولا بعمل آخر، كأن أكون منهمكا في محاولة يائسة لاختراق أحد المواقع، أوفك شفرة أحد البرامج، أو أتحدث عبر الأنترنت مع شخص آخر..
لم تكوني تتخيلين أن ذلك الصمت المهيب الذي يخيم علي حين يتقطع وكاء مشاعرك فتنفلت بين حناياك متدفقة، وبعد برهة تهمسين باسمي لاختبار مدى تفاعلي مع ما تقولين، وتظنين أن ذلك الصمت ليس سوى تأثر بصدق تعابيرك ، فيما هو في الحقيقة، سنة تنتابني كلما أوغلت أنت في عالم الجنون والحب..ولا أفيق منها عادة إلا حين تتسائلين .. أين أنت.؟ فأجيبك معك..والواقع أن كثيرا مما قلت لم أتمكن من سماعه بشكل لائق.
لن تكون معرفة أي من هذه التفاصيل مهمة الآن، فقد مضى كل ذلك، ولن يعود شريط الحياة إلى الوراء لتحذفي تلك اللحظات من حياتك..وليس أمامنا وقت لإصلاح خللها، وعليك البدء في حياة جديدة..وسأواصل أنا حياتي..
ما أعدك به الآن وسأفي به -على غير عادتي- هو أنك ستكونين آخر امرأة أكذب عيلها، لن استغل بعد اليوم لحظة ضعف لامرة مسكينة لأوقع بها في شباكي الغليظة..لن أتففن في برامج التصميم بعد الآن لأعد لوحة جذابة تكون مدخلا إلى قلب غر..وسأكون بالمرصاد لكل من رأيتها استهواها طعم صنارتي لاصيح بها ابتعدي..ابتعدي..فليس ذلك سوى طعم لصياد سادي يستخرج الأسماك من الماء حتى تفقد الحياة ثم يعيدها إليه، فلا أسرة له يطعمها وليس بحاجة إلى المال..
أدرك تماما أنه لا قيمة لهذا الوعد بالنسبة لك..لكنه بالنسبة لي حلم سأحققه، وسأعطل دواليب مشاعري الخشنة التي دهست في طريقها عشرات القلوب، دون أن تكلف نفسها عناء التوقف للتعرف على ملامح الضحية، أو أن تبلغ عنها شركة التأمين...
لن أنسى لك هذا الفضل أبدا.. فقد جعلتني فجأة أكتشف أني إنسان..لكني سأكون إنسانا لغيرك..وسأبدأ من اليوم البحث عن القلب الذي سأمنحه كل المشاعر المتراكمة منذ الضحية الأولى التي كنت أتسلل إلى دفاترها في المدرسة لأكتب عليها بخطي الجميل "أحبك.." فتضربها أمها في المساء بسبب ذلك، فيما أكون أنا على مقربة أستمتع بصراخها وهي تقسم بأغلظ الأيمان أنها لا تعرف من كتب العبارة التي لا تستوعب معناها...وحتى أنت أيتها الضحية الأخيرة..
ستكون المرأة القادمة في حياتي محظوظة جدا لأني أشبعت كل غروري، جربت كل الخلطات العاطفية، تعرفت على النساء في كل حالتهن، وتعرفت على نفسي أيضا.. لذلك لن يمس سعيدة الحظ القادمة أي لغوب..وربما في الذكرى العاشرة لارتكاب جريمتي هذه أقيم مأدبة في منزلي أدعو لها كل ضحاياي لأعتذر عن ما سببته لهن..واعترف أمامهن حينها أنك كنت السبب في عدم زيادتهن بمعذبة أخرى..ألا يشرفك ذلك..؟!

الأحد، 26 أكتوبر 2008

الأطفال..آخر وسيلة احتجاج لعمال الخطوط الجوية في موريتانيا


أحمد ولد إسلم من نواكشوط: ببراءة طفل في السادسة من عمره كان سيد المختار يجول بعينينه في جموع الصحافيين، يشد يديه بحزم على مجسم لآخر طائرة تملكها الخطوط الجوية الموريتانية، بدا غير مستوعب لما يدور حوله، وحين اقتربنا منه، حدثنا على استحياء عن مشاعر مختلطة بلغة سلهة ومعقدة، فهو لا يعرف ما يريد هنا، وكل ما يدركه هو أن أباه كان يعمل طيارا في شركة الخطوط الجوية الموريتانية، ومنذ فترة لم يعد يذهب إلى العمل.
لا يعرف سيد المختار المدة التي قضاها أبوه دون عمل، لكنه يعرف أنه في السنة الماضية كان يدرس في"le petit centre" وهي مدرسة فرنسية تشرف عليها السفارة الفرنسية في نواكشوط، ويدرس فيها عادة أطفال الطبقة الغنية في موريتانيا نظرا لتكاليفها الباهظة، لكنه هذه السنة لم يذهب إليها، رغم مرور أسابيع على افتتاح المركز، وهو لا يعرف السر وراء ذلك.
سيد المختار لم يكن وحده فهناك العديد من أترابه ومن يكبرهم بقليل من أطفال عمال وموظفي شركة الخطوط الموريتانية، جاؤوا يوم الأحد2008-10-12 إلى مباني ما كان ذات يوم مقرا لهم، ونظموا وقفة احتجاجية طالبوا فيها رئيس المجلس الأعلى للدولة الجنرال محمد ولد عبد العزيز بالتدخل العاجل لوقف معاناة الأطفال والنساء، الذين يعيشون شهرهم الثامن دون رواتب"

فكرة استجلاب الأطفال إلى مقر الشركة المعروضة للتصفية كانت آخر الأفكار التي لجأ إليها نحو 400 من عمال الشركة، بعدما استنفدوا كل وسائل الاجتجاج على قرار اتخذته السلطات الموريتانية في عهد الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله يقضي بتصفية الشركة، وتعويض عمالها وفق ما يقرره مأمور التصفية، وهو القرار الذي كان بداية لعشرات التظاهرات الاحتجاجية تراوحت بين الاعتصامات والبيانات والمؤتمرات الصحافية.
فاطمة بنت الكيحل سيدة في الأربعين زوجة الطيار محمد الأمين ولد الطيب، بدت متذمرة وهي تشرح لإيلاف كيف أن قرار التصفية أرغم زوجها على مغادرة موريتانيا بحثا عن عمل بديل، تاركا لها الأسرة وتبعاتها، وهو ما طالبت المجلس العسكري الحاكم بوضع حد له إن كان حقا يهدف إلى الإصلاح مؤكدة دعمها له في ذلك، ودعم أسر عمال وموظفي الشركة.
جذور الأزمة..
شركة الخطوط الجوية الموريتانية إحدى أهم الشركات ذات البعد السيادي في موريتانيا، تأسست مع إعلان استقلال الدولة عام 1960، بملكية عمومية، ومع بداية الانفتاح الاقتصادي في التسعينات أعلنت الحكومة الموريتانية في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع فتح رأس مال الشركة، لتصبح ملكيتها مختلطة بين الخطوط الجوية الإفريقية وبعض رجال الأعمال الموريتانيين، وبقي للدولة الموريتانية نصيبا لا يتجاوز الأربعين في المائة، ومع مرور السنوات تناقصت تلك النسبة.
وتفجرت الأزمة المالية للشركة بشكل مباشر مطلع سبتمر 2007 حين احتجزت الطائرات الثلاث التي تملكها الشركة في مطار فرنسي ،بينها الطائرة الرئاسية التي أهدتها دولة قطر للرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع، وهي من طراز بوينغ (200-727 ) وذلك بسبب عدم تسديد الديون لصالح شركة أميركية بمبلغ 700 مليون أوقية موريتانية؛ أي ما يقابل 2.5 مليون دولار فقط.

وأقر وزير النقل الموريتاني حينها أحمد ولد محمدن، بأن شركة الخطوط الجوية الموريتانية تعرف حالة إفلاس كامل بسبب ما وصفه بتراكم الخسائر وسوء التسيير خلال العقدين الماضيين وأن أزمة هذه الشركة قد تفاقمت بشكل لا يمكن تداركه.
وشدد على أن الخطوط الجوية الموريتانية شركة ذات أسهم مختلطة وليست عمومية مشيرا إلى أن سبب إفلاسها يعود لانهيار شركة الخطوط الجوية الإفريقية التي كانت المساهم الرئيسي فيها إبان خصخصتها سنة 2000.
وقرر مجلس إدارة الشركة بداية أكتوبر 2007 إحالة موظفي الشركة الـ400 على البطالة الفنية، في انتظار صرف تعويضات لهم،على أن يحدد مأمور تصفية الشركة قيمة التعويضات التي سيتم دفعها لهؤلاء الموظفين، واختير لهذه المهمة السيد محمد ولد عبدي ولد حرمة بعد أيام من إقالته من منصب المفتش العام للدولة.ولا يزال فريق التصفية يقوم بعمله دون الإعلان النهائي عن نتيجة، وهو ما يضاعف هموم العمال الذين تتضاءل آمالهم في التعويض المجزي كلما تقدمت الأيام.

إيلاف

الجمعة، 24 أكتوبر 2008

على هامش حديث مقتضب

أحمد ولد إسلم
عدت إلى غرفتي ، كانت كلماتك لا تزال ترن في إذني ، همسك الناعم كنسيم هب سحرا ، يربكني ، يغير تعرجات خارطة ذاكرتي ، أحاول تصور شكل معين لك ، لون لك خارج ألوان قوس قزح ، أجهد نفسي ، أستعيد كل الوجوه التي رأيتها يوما ، كل الوجوه المشرقة بالجمال الناصع ، أتأمل كل وجه منفردا ، استخلص من كل واحد أحسن ما فيه ، لجعله منك ، ترتبك تفاصيل الخطوط ، أنظر إلى اللوحات الجميلة التي تزين غرفتي ، وأتنهد .....
آه ..لو كنت رساما ... لرسمتك على لوحة ناصعة البياض ، بخطوط رفيعة،... لرسمت وجهك في شكل ثلاثي الأبعاد ، لأنظر إليك من كل زاوية ، لأكتشفك في كل نقطة لون..
آه ...لو كنت شاعرا ...لكتبتك قصيدة عصماء، فوق رق منشور ، أعلقه في زاوية حصينة من ذاكرتي ، لاخترت لك عنوانا من لغة جديدة ، لم يتوصل إليها العلم بعد ، لغة لا تنطق...
لكن لست رساما... ، لست شاعرا .....
أعود إلى الحديث، أجلس على حافة الصمت ، أتأمل كلماته ، أعيد ترتيب حروفه...لأستخرج جملا جديدة لأضمنها متن قصتي التي لم تنشر ، كقصيدة لشاعر أعرفه ، تذكرت منها مقطعا يقول: من خلف شاشتك الصغيرة تكتبين ....ونسيت البقية ....
أتفصح من جديد ملامح الحرف لأستنسخك منه ، تتداخل الحروف ، تتشعب الجمل ، وتتمازج اللغات، لغة الصدق ، ولغة الجرأة ، ولغة الخيال....
لا دليل عندي يثبت أنك أنت من كانت تحدثني ، وحده الإحساس ، وحده الحدس الثاقب ، يؤكد ذلك ، ولكن من أنت ؟ من أي فج عميق في تضاريس الحب المتشعبة دخلت ؟ من منحك تأشيرة الدخول ؟ وما رقم جوازك ؟
تتكسر الأسئلة على شاشتي ، وتتماوج في دوائر مسترسلة كأثر نقرة طائر صدي، خطف رشفة من غدير ،وحلق بعيدا... ، ويكبر السؤال كلما أوغلت في دهاليز الحيرة ...
وأعود إلى هامش الحديث المقتضب أتأمله من جديد في محاولة سيزيفية للنجاح ...
لماذا أتيت في هذا الوقت بالذات من السنة؟ ، لماذا اخترت اليوم بالذات ؟ أعود إلى متن الحديث ؟ نسيت أن أطرح عليك هذا السؤال ....ولكن هل حقا كنت مدركا ما أقول لك؟ هل كنت في كامل وعيي وأنا أسابق الحروف لأخترق الشاشة إليك...
آه ..لو تطور العلم ، لو استطعت أن أتحول إلى ملف صغير مرفق في رسالة إليك ، تفتحينها مع ابتسامات الورود الصباحية ، تستمعين إليها مع برنامج صباح الخير يا وطني ....
لو كنت خوارزمية مركبة في أحد الملفات التي ترسل بالبريد الألكتروني ، حينها كنت سأكون حصان طروادة ، أتسلل عبر بريدك ،أغريك بفتح الرسالة ...لأجد نفسي معك على حاسوب واحد ، معك على طاولة واحدة .....
لكن العلم لم يتطور بعد...
رسمت نفسي توقيعا ختاميا للحديث ، وجلست على هامشه ..أبحث عن سؤال لجواب لا أعرف كنهه....وأغلقت الجهاز...

إنتظار..مع كأس عصير

أحمد ولد إسلم

وحيدا مع كأس العصير جسلت، نظرت الأفق السحيق ،أبحث عن إشارة تدلني على مسار سالك إليك ، على لغة تكون أكثر قدرة على استيعاب ما أريد قوله لك، أعدت النظر كرتين ، أتأمل أغوار التاريخ الحديث ، أحاول سبر تفاصيله ، تتداخل الأجزاء ، تتشابه المكونات ، أنظر كأس العصير ، أرتشف قليلا ...ثم أتنهد ..
تسّاقط أرواق شجرة الصفصاف التي أجلس تحت ظلها الوارف ، كأوراق ذكريات قديمة لعاشق بائس ، ...ليس في أرضك صفصاف ،لم نلتق يوما تحت صفصافة، لكن كان ظل الشجر يوحي إلي بشيء عنك ، شيء يتعلق بك ، هناك علاقة ما بينك وبين ظل الشجر ، إنه يغادر بسرعة مثلك ، وكثيرا ما لايستمتع به إلا النائي أكثر ...
أحاول تناول القلم، أدير ظهري للإحباط ، أستنشق القليل من الأمل ، أنظر عقارب ساعتي وهي تركض إلى المجهول ، تجر ورائها عنوة عمري، فينقاد لها استسلاما...
ارتشف القليل من العصير، وأنتظر....
للعصير لون وردي كوجنتيك حين يغلب عليك الحياء، كان مزيجا من الموز والتفاح والفرولة ، تداخلت عناصره وانصهرت ، كما تنصهر أرواح العاشقين ...
ألتفت يمنة ، وكأني أحس بك ، أسمع قرع نعلك الواطئ الكعب ، وطرف ثوبك السفلي يقوم بوظيفة البلدية التي استقالت منها منذ زمن ، وكأنني متأكد من أنك ستجلسين قبالتي ، على هذا الكرسي المنسوج بإتقان من سعف النخل، في ساحة الثورة ،... نظرت إليه تخيلتك هنا وأنت ترتشفين كاس عصير ، تتأملين تقاسيم وجه أضناه حبك ، عيناه غائرتان من طول التأمل فيك...
وأنا أحمل في يدي قلم رصاص أحاول أن أرسم على صفحات أملي الضئيل ملامح حلم عشت له ، عشت به ...مستغرقا في تفكيري ، شاردا أتأمل صمتك الناطق ، ينبهني متسول في ساحة الثورة ، أجهده الزمن، يتكلم لغة ليست لغتك ، فأدرك أنك لم تحضري....
انظر ساعتي ، أحسها تزداد تسارعا ، أرتشف القليل من العصير ، وأنظر يسرة...
أراك في كل الوجوه ، في الحمائم التي تحط بين أرجل المارة ، في تداخل ألوان شرائط تزيين الشوارع لاستقبال الرئيس...احسك في كسوف الزهرة وهي تودع الشمس منحنية كبوذية متدينة...
ولكن لماذا أتوقع حضورك؟!! أنت لم تجلسي معي يوما في مقهى، لايوجد هناك ساحة عامة نلتقي فيها ...فلما أنتظر هنا...
يرن الهاتف في جيبي ، توقعت أن تكوني أنت ، فتحت الخط دون أن أعرف هوية المتصل ، صوت امرأة مهذبة : سمير....سمير أنا أنتظرك...
عفوا سيدتي الرقم خاطئ هذا ليس سميرا...
معذرة... أنا آسفة
لا مشكلة ...وتلاشى الصوت...
ما ذا لو كنت أنت ،ما ذا لو كنت على علم أني أنتظرك في أجمل ساحة في عنابة، ما يضيرك لو أرسلت رسالة هافية قصيرة ، من كلمتين فقط ؛أنتظرني هناك...أنا قادمة...
أرتشف من كأس العصير ، أنظر ساعتي ، مرت ساعة وأنا هنا ، مرت ساعة وأنا أنتظرك ، أتساءل أين أنت الآن ؟؟...تراك تقلبين صفحات ذكريات ، ممزق بعضها ، والبعض تلاشت أحرفه لطول العهد ...أم أنك لم تحتفظي يوما بورقة ، أعرفك...كنت تكرهين الذكريات ...تعيشين اليوم في يومه ....
ويسحب النادل الكأس ، يمسح الطاولة بلطف، يقول: هنيئا ، ينظر إلي بشفقة وكأنه يواسيني ، لأن من أنتظرته لم يأت ....
وبقيت وحدي أنتظر أمام كرسيك الشاغر ، كان معي كأسي لكن النادل أخذه
...