السبت، 14 مارس 2015

من خورو.. إلى رئيس الجمهورية



أحمد ولد إسلم
Ahmed3112@hotmail.com

سيدي الرئيس..

"أكتب إلى فخامتك أول مرة، _وآخرها قطعا_، إذ لم يسبق أن حلمت أن أخاطب وزيرا أحرى رئيس دولة، وأنى لسوقة مثلي من عامة الناس، أن تحدثه بذلك نفس، ولكني أتجاسر متجاوزا الحبل الفاصل بين جموع مستقبليك وبين حاشيتك.
فهذا الميدان الواقع بين مبنى الولاية وقيادة المنطقة العسكرية عرفني خلال السنوات السبع والثلاثين الأخيرة مستقبلا كل قادم من حيث قدمتم، كنت آتي في الجموع عدوا أيام شبابي، ثم فارسا أو راكبا أتقدم فرسان أو ركبان عشيرتي، مؤديا بذلك ما كنت أحسبه جزء من واجب القرى.
 ومنذ قدر لي ولأهل بيتي الحصول على بطاقة انتخاب، قبل أكثر من عشرين ما عارض منا فرد، ولا أعدنا في ذلك نظرا، ولا ساورنا يوما تساؤل عن نفع ذلك أو ضره.
واليوم وقد تقدم العمر بي إلى أن استجدى "الاثنان ثالثهم" و "قرب البعيد" و"تفرق الجمع" آملت أن من "يسعى سعيا يتفيأ ظله".
وها أنا على أبواب الستين أعيل صبية ما ولجوا يوما باب مدرسة، وما حالهم بأحسن من حال أبناء جرول ابن أوس العبسي، وإن كنت أعف منه لسانا.
وإن عامي لبين أمل وعمل، أعيش بالأول شهرا من الشتاء وكل الصيف، ومع الصيب الأول أنزع إلى الثاني، زارعا ما قدرت عليه من أرض لا ينازعني فيها أحد، ثم يكون لي من حصادها ما أبقت الهوام والطيور والسوائم.
ومنذ عشر سنين أو يزيد، آتي كل ما ذكر لي رئيس أو وزير قادما إلى هنا، فأسعى جهدي للقائه، آملا أن تساعدني الدولة بتمويل مشروع ذا قيمة أقي بمردوده بناتي عنت الحياة، ثم تقاصر حلمي لكثرة الصد، وما عدت أرجو إلا سياجا شائكا أحيط به ما أبقت لي الأيام من أرضي، إلا أني لا أقبل في ذلك تسويفا، وخير لي أن أرد خائبا قانعا، من أن أعلق قلبي وبدني بما لا طمع فيه. " فابدأ بـ"لا" إذا خفت الندم"."
هذه قصة "محمد ولد الخير" أو "خورو" كما أسميه، لا يعبر ما ورد فيها من رأي سياسي عنه، ولا طلب مني الحديث باسمه، ولكني كنت حدثته قبل يومين متسائلا عن الحصاد، فقال لي "الحريثة بلا قرياج اللا التعب".. ثم تذكر ما أمضى الرجل من وقت وجهد بحثا عن تمويل، وكيف أنه منذ منتصف التسعينيات يحلم به.
كل ذلك توارد إلي وأنا أسمع أن الرجل المسؤول عن كل ما في البلد سيتجمع  بولد الخير ومئات الآلاف من أمثاله في صعيد واحد، ثم يتفرقون كل إلى سبيله، هو إلى قصره، وهم إلى أخبيتهم،..
يعودون وقد خسروا من الحياة أياما كان نفعها لهم لو أمضوها في بيوتهم أكبر، ورضوا من الغنيمة بالإياب.. وليس بعد تقاصر الحلم إلا فقدان الأمل.. والأمل هو ما يعيش به أولئك..
أما هو فسيعود إلى قصره، ولا أردي ماذا خسر..



الثلاثاء، 3 مارس 2015

أنت الغريب هناك..

أحمد ولد إسلم

" كيف أنت والغربة...؟"
كانت تلك فاتحة رسالة وصلتني من صديق قديم، ما زال يعض بنواجذ الأمل على أهداب حلمه، يتاجر في الهواتف المزورة، ويعلق في بيته شهادة ماجستير، ووسام المرتبة الأولى من جامعته الأجنبية ، يحتفل هذه الأيام بمرور ثمان خيبات بعمر شهادته، وينتظر مصيره.
كيف أنا والغربة يا صديقي..؟!
 سأسرد عليك قليلا، فقد تنقطع الانترنت قبل تحميل الرسالة إن كانت طويلة.
قبل شهرين التقيت صدفة زميلا سابقا أيام الدراسة في الجزائر، كنا معا ننتظر طائرتين متأخرتين في مطار الدار البيضاء المغربية، جمعنا انعدام مطار ذي سمعة في بلدنا، وفرقتنا أرقام الرحلات، كان هو متوجها إلى الغابون، وكنت ميمما الدوحة.
سألته وما يفعل مهندس صيانة طرق في الغابون، هل وجدت عقدا مع شركة هناك؟
ابتسم زميلي وقال: كنت أتاجر في السيارات المستعملة خلال السنوات السبع الماضية، ولم أخرج شهادتي من حقيبتها، حتى إني لم آخذها معي إلى الغابون"
هززت رأسي بألم وتوجه كل منا إلى بوابه عبوره نحو وطن آخر.. نعم نحو وطن.. ألم يقولوا: " إن الوطن هو حيث يشعر المرء أنه بخير؟!
أنا يا صديقي أكملت قبل ستة أشهر عامي الثاني عشر خارج الوطن، ولكني لست مغتربا..
فأينما وليت وجهي وجدت من سبقني إلى هناك، من جبال الأوراس، وحتى جبال الأورال، كان دائما هناك موريتاني ينتظر في المطار أو في الفندق، يحتضنني بلهفة من يلتقي أخاه، ففي وصولي إليه طمأنة له بصواب قراره، وإراحة لضميره أنه ليس وحده من لفظه الوطن إلى وطن آخر.
أنا غريب هناك، فقد بدلت الأرض غيرها، وما بقي من المرابع حتى رسمها، أنا الذي لم أجد في "النعمة" - تلك المدينة التي حفرت شظايا شوارعها خرائط في قدمي-  من أسلم عليه..
أنا الذي أمضيت ثمانية عشر يوما في قريتي لم أخرج من بيتي، فليس في القرية إلا الأطفال أو الشيوخ.. أمام الشباب فانتشروا في مناكب الأرض.
لست مغتربا هنا.. أكتب إليك وأنا أستمع إلى " نقد نغني يغير أمابي".. بصوت ديمي عليها رحمات الله،  وقد شربت قبل قليل شايا معنعا، وأنا ألبس دراعة، لا بل أتكلم الحسانية في غرفة أخبار عالمية ولا أحتاج مترجما لكثير منها، فقد وجدت الثقافة الموريتانية موطأ قدم هنا.
يجلس خلفي رجل قطري لم يزر موريتانيا يوما ولكنه يعرف "
وصف أحمد سالم قال حد
عنو شافو بخلافو
 وصف أحمد سالم ما يقد
 حد يقول أنو شافو"..
 ومجموعة منوعة من القفان أغلبها من "لبير".
في مطار شيريميتييفو بموسكو حدثي أحد من تصفهم بالمغتربين أنه مر به عابرا قبل سنوات، ووجد في زاوية معزولة منه موزعا كهربائيا كُتب عليه" خاص بأتاي الموريتانيين".. الغريب أن ذلك الصديق لفظه الوطن أيضا، وباتت موسكو الآن وطنه، وصار أحد وجوه الشاشة الروسية.
أنت الغريب هناك يا صديقي..
أنت في وطن لم يخلق للبشر مثلنا، هناك لا يحق لك أن تمرض، يجب عليك أن لا تتنقل، حرام عليك أن تتزوج، جريمة أن تنجب أطفالا.
تحتاج وساطة لاستخراج بطاقة تعريف، مع أن لا أحد يشك في مواطنتك.
أنت أحسن مني حالا فقط لأنك ترى أمك كل صباح، ما سوى ذلك كلانا مغترب في وطنه.
صديقي.. جرب أن تسافر مرة أخرى، اختر أي وجهة من هذا العالم، حتى في سلطنة بروناي هناك موريتانيون، حين تقوم بجولة قصيرة في أي شارع من هذا العالم ستجد أن موريتانيا مر من هناك.
أحيانا قد تتساءل من بقي في البلد؟
إذا كان الدكاترة والأطباء، والمهندسون والصحافيون والرعاة، وأئمة المساجد، والطلاب، وباعة الأغنام، و حتى بائعو الرصيد في الشارع هاجروا، فمن بقي في البلد؟
لست متشائما يا صديقي، ولكني خائف، خائف أن أعود مساء يوم ما فلا أجدك ولا من أشرب معه شايا على تلك الربوة الواقعة غرب بيتنا.
قبل أعوام سئم الرُّحّل انتجاع الكلأ فألقوا عصيهم في أقرب قرية، أو فطروا بئرا في فلاة وقطنوا.
زاحموا القرويين في مواردهم الضئيلة، فتركوها لهم وتمدنوا، ثم ضاق أهل المدن ذعرا بالقرويين فتكدسوا في العاصمة، حتى لم يعد فيها متسع..
ومن كان من السابقين إلى العاصمة وجمع مالا من أي مصدر أمن لنفسه مقاما هنيئا في الخارج، ولم يبق فيها ممن لا مفر لهم منها إلا الفقراء، والعسكريون والساسة الفاسدون، أو مشاريع فاسدين لديهم " استعداد للانحراف" في انتظار الفرصة، وهم يمتصون أفاويق ما تبقى من ثروة.. وجميعهم يبحثون عن جواز سفر.
قل لي بربك كم سنة سيصمد البلد..؟
بل  قل لي فقط كم جارا بقي ممن عرفتهم خلال سنواتك الثماني في العاصمة لم يهاجر أو يهاجر أحد أفراد بيته؟

طمئني إذا يا صديقي كيف أنت والغربة؟!

جمهورية صوملك

أحمد ولد إسلم
Ahmed3112@hotmail.com

مع كل صيف وخريف تعود الشركة الوطنية للكهرباء صوملك إلى الواجهة من جديد ليس لتدخلها في الحالات الحرجة وتطوير خدماتها لمواجهة موجة الحرارة اللافحة ولكن لرداءة خدمتها وانقطاعها الدائم.

ولا خلاف في الوقت الحالي على الفساد والتقصير وسوء التسيير في خدمات الشركة، فهو حديث الجميع، ولكن محاولة اقتصاره على التذمر من الانقطاع في خدمة التيار الكهربائي الموسمية.

وتركيز الإعلام على سوء معاملات أفراد الشركة في مقراتها وضياع الحقوق وغلاء الفواتير وتسيب صغار الموظفين وانتشار الأسلاك الكهرباء المكشوفة في البرك المائية هو أفضل خدمة للشركة التي باتت اليوم جمهورية وحدها.

ولكنها جمهورية من جمهوريات الدول الفاشلة على غرار الدولة التي تستضيفها، فهي جمهورية تُحكم بتحالف عميق ووطيد بين رجال الأعمال والمتنفذين من رجال الجيش، والمحيط الأكثر حصانة في ظل النظام القائم.

ولنأخذ نقطتين أساسيتين تكشفان عمق الفساد الذي ينخز هذه المؤسسة التي تعد واحدة من أكبر المؤسسات الموريتانية.

الحصانة من التفتيش..
منذ إنشاء المفتشية العامة للدولة أيام المرحلة الانتقالية لم تنشر تقريرا واحدا عن هذه الشركة، وإن كانت بعثاتها قد زارت الشركة وكشفت جزءا ضئيلا ربما من الفساد الذي ينخرها، ومن يزور موقع المفتشية العامة للدولة لن يجد فيها ذكرا للشركة.

ولكن من يبحث في الأرشيف الصحافي سيجد تقريرا مسربا نشر في ديمسبر 2009 على وكالة الأخبار الموريتانية المستقلة يزخر بالمعطيات التي تثبت أن هناك من يحصن هذه الشركة من المساءلة والمحاسبة.

في التقرير المذكور إشارة إلى " تضاعف كبير في مديونية الشركة لتصل إلى أكثر 8.3 مليار أوقية لصالح البنوك الوسيطة، إضافة إلى رصد تضاعف نسبة ضياع الطاقة.

فضلا عن ارتفاع حجم المتأخرات الضريبية على الشركة لتصل في 30 سبتمبر 2007 إلى 1.8 مليار أوقية، هذا في وقت بلغت فيه التسبيقات والعلاوات غير المبررة لصالح أطر الشركة مبلغ 279 مليون أوقية".

ووفق تقرير المفتشية الوحيد المسرب فإن "صافي المبالغ المفقودة ناهز 261 مليون أوقية توزعت ما بين فوائد غير مبررة وفوائد تمت فوترتها خطأ وأتعاب مستشارين وهميين ومصاريف رفع غير مبرر لمرضى إلى الخارج واشتراكات دعم"

وفي الوقت الذي يموت الأطفال في المسشفيات العمومية وتؤجل العمليات الجراجية المستعجلة بسبب انعدام الكهرباء فإن " مجموعة من المولدات الكهربائية تناهز قيمتها 36 مليون أوقية قد وضعتها الشركة في منازل مسؤولين سامين عام 2006.

وركبت المولدات في منزل كل من الوزير الأول السابق سيدي محمد ولد بوبكر والمدير العام للأمن الوطني (القائد الحالي لأركان الجيش محمد ولد الغزواني) وقائد الأركان الخاصة لرئيس الجمهورية (الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد عبد العزيز) فضلا عن مدير ديوان رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية محمد الأمين ولد الداهي، وذلك دون سند قانوني"

كان ذلك التقرير المسرب هو آخر تقرير يرصد الفساد في الشركة ولك أن تتخيل ما عليه الحال الآن.

وهنا لا يمكن الحديث عن محاربة الفساد لأن أيا من مديري الشركة لم يعتقل أو يعلن اسمه من ضمن المغضوب عليهم المطالبين بإرجاع الأموال العمومية.

بيع الوهم وتصدير الكهرباء..
تتحدث وثيقة صادرة عن حملة الرئيس الأخيرة - وعرضت في فيلم وثائقي يرصد إنجازاته- أن عدد المدن الموريتانية التي وصلتها الكهرباء كان تسع عشرة مدينة قبل 2009، وأنه في أفق 2015 سيكون 46 مدينة.

وحسب الموقع الرسمي للشركة على الأنترنت فإن إجمالي شبكتها الممتدة على طول التراب الوطني هو 1780 كيلومتر موزعة على سبع وعشرين محطة.
ما يعني أن تغطية الشبكة لا تصل إلا قرابة 30 في المائة من المدن الموريتانية، وتبقى سبعون في المائة الأراضي الموريتانية المأهولة لا تصلها الكهرباء.
زد على ذلك أن مهندسين يعملون أو عملوا في الشركة يتحدثون عن خلل بالغ في توزيع التيار الكهربائي، والأرقام التي تتحدث عنها الشركة في أفق 2015 لن تكون دقيقة، نظرا لانعدام الصيانة، حيث تتحدث عن وجود فائض سيزيد على 100 ميغاوات تم توقيع اتفاق لتصديره إلى السنغال.
والواقع أن الطاقة لم تصل يوما في وقت واحد إلى 60 ميغاوات حقيقة.
وهنا لنعد إلى التقرير المسرب، حيث يفيد أن الشركة "تعاني من ضياع 59.880.152 كيلووات (وفقا للمعطيات التجارية) وهو ما يناهز 21.5% من إنتاجها ويفاقم العجز الذي كثيرا ما يظهر على شكل انقطاعات للتيار. أما الإدارة الفنية للشركة فتتحدث عن طاقة ضائعة تناهز 92.699.691 كيلووات وهو فرق يناهز الثلث.

وطبقا للتحليل الذي قامت به الجهات الحكومية فإن الخلل في حساب الكميات المنتجة يعود إلى وجود عدة محطات توزيع لا تتوفر على عدادات (15 من أصل 306)، ووجود عدادات غير متطابقة مع الأنظمة وتتصدر نواكشوط المناطق التي يضيع فيها الإنتاج، طبقا للمعطيات التجارية ثم الفنية، متبوعة بنواذيبو ثم المناطق الداخلية".
والآن كيف يعقل أن تعلن شركة بل تجدد الإصرار على عزمها تصدير فائض الكهرباء وهي عاجزة حتى عن تغطية حاجات بلدها الأساس، وغير قادرة على صيانة ما يتوفر لها من طاقة.
إن القول إن الأزمة التي يعيشها قطاع الكهرباء في موريتانيا أزمة موسمية هو محاولة للتضليل وذر للرماد في العيون حتى لا يفتح نقاش حول تسيير واحدة من أضخم المؤسسات العمومية في البلد والتي تحصل من جيوب المواطنين على مليارات من الأوقية ولا تقدم لهم خدمات ذات قيمة.
وإذا كان النظام الحالي لا يريد تسيس الاجتحاجات القائمة ضد ممارسات وفساد الشركة عليه التوقف عن ربط إنجازتها به، والتوقف عن الحديث الدائم عن ما قبل 2009 وما بعده، وليقم نواب البرلمان المنتخبون من الحزب الحاكم بمساءلة وزير الطاقة وإدارة الشركة عن مجريات العمل فيها.
ولتنشر المفتشية العامة للدولة تقارير دورية عن زياراتها للشركة، وليحاسب النظام من يثبت أنه مسؤول عن الفساد، لأن الفساد قائم ولا يحتاج دليلا.
وإن بقيت الشركة تحظى بالحصانة، واستمرت سياسة المن بمصابيح الكهرباء الباهتة على عدد قليل ممن وصلهم خط الخدمة، فإن أي مطالبة حينها بمحاكمة الضالعين في تدمير حياة الناس لن تكون فعلا تمكن إدانته، لأن كل مواطن بات اليوم يعرف أن الكهرباء حق له وليست خدمة من الدولة.

رواية منينه بلانشيه.. الضياع المدهش

أحمد ولد إسلم 
Ahmed3112@hotmail.com
مرت أشهر عديدة على مكالمة موظف البريد السريع التي انتشلني من غرفة الأخبار المزدحمة بالدماء لتبلغني بوصول رواية "منينة بلانشيه" للكاتب محمد ولد أمين إلى باب المكتب، كنت أنزع المغلف باستعجال واستعراض متعمد مستثيرا من حولي من الصحافيين ليسألني أحدهم عن مضمون هذه الرسالة وحالة الفرح التي بدت على وجهي، ولأجد مبررا للاعتزاز باسم يضاف إلى قائمة الكتاب ويكسر شهرة "بلاد المليون شاعر" الملازمة لموريتانيا. – لم أكن قد قرأت الرواية حينها -

وفي الوقت ذاته كنت أستبطن شعورا بالحسرة أن مكالماتي ومراسلاتي العديدة مع أصدقائي في موريتانيا لم تنجح في أن تكفيني مؤونة استيراد أدب موريتاني من متجر ألكتروني في بيروت، فقد كانت الرواية – وربما ما زالت- لم تصل بعد إلى رفوف المكتبات الموريتانية المتخمة بالكتب الصفراء وإصدارات الانتقائية القبلية والمشيخية.

لا يعرفني الكاتب ولم ألتقه في حياتي سوى مرة واحدة حين كان وزيرا للإعلام، وكنت رفقة فريق من وكالة الأنباء اليابانية  في رحلة إنتاج عن العبودية والتصحر، ومن المؤكد أنه لا يذكر ذلك اللقاء... وربما تكون لذلك إيجابية أن الحديث عن روايته من قارئ مبتدئ مثلي يخلو من المجاملة.

متعة الترابط السلس
الرواية المطبوعة في مائتين وست صفحات، والصادرة عن دار الساقي اللبنانية التي تعد من أفضل دور النشر النخبوية في العالم العربي، تبدأ بالحديث عن طائرة فرنسية سقطت في جبال الأندلس، في تصوير بديع للحظة الموت المفاجئ المأساوي لركابها، ولكن ذلك لم يكن سوى مدخل لما هو أهم.. راكب واحد من بين أولئك سيكون محور الرواية وينتقل به الراوي جوزيف بلانشيه ليغوض في أعماق أسئلة فلسفية عن تراتبية الموت، فيتساءل لو لم تمت أمه منينة في ذلك الزمان والمكان هل كان سيحصل على كل تلك التفاصيل عن رحلتها إلى الأبدية؟

ومن الوصف الخلاب ليوم أندلسي ينتقل الراوي بقفزة زمنية إلى بروكسل للقاء طبيبه المتفلسف والغامض الذي تثار شكوك كثيرة حول "علمية" العلاج بالصوم التي يقوم بها منطلقا من نظرية أن الابن لا يرث من أمه الخصائص البيولوجية فقط بل أيضا ذكرياتها، وفي مرحلة ما يستطيع الإنسان أن يعيد ذاكرته إلى مرحلة النشأة الأولى بل ما قبل ولادته لتشاركه الماضي مع ذاته، ماض لم يكن هو شيئا مذكورا لحظة حدوثه.

وفي تلك المجازفة غير المؤكدة في "علميتها" يستطيع الشاب المترف استحضار تاريخ عريق من زمن السيبة الموريتاني ويأخذ القارئ من شوارع بلجيكا الأنيقة إلى أقبية القش وقلاع تامشكط وزرائبها، وأحقاد القبائل الموتورة  ومكائد ساستها، ثم إلى الاختراق الاجتماعي للمستعمر الفرنسي الموظف لكل ما يستطيع، ليعش مع القارئ متعة اللبنة الأولى للعاصمة الموريتانية، وشقاء الحب غير المتكافئ، فالزواج وإشكالية الولادة التي تعمق شرخ الهوية لطفل موريتاني فرنسي أو فرنسي موريتاني.

"الخلوة" الغربية
من أجل أن يضفي الكاتب إلى روايته بعدا "علميا" فلسفيا لا غنى عنه في أحداثها لجأ إلى استشارة الطبيب النفسي برينارد، ليجرب استعادة الأحداث بالصوم، وليمتع القارئ بالمزج الزماني والمكاني وهو تصرف مقبول أدبيا، إلا أنه في ذلك كان يقدم جزء من التراث الصوفي الموريتاني العريق الذي يشكل جزء من البنية النفسية للإنسان الموريتاني المولع بالتدرج الغيبي، ففي التراث الصوفي يعرف لدى أهل الطرق ما يسمى بـ"خلوة الأربعين" وهي مرحلة من الانقطاع التام عن الأغيار، يقضيها المتدرج في معارج السالكين إلى العلياء لا يكلم فيها أحدا، ويستغرق فيها أربعين يوما في التعبد والتبتل، ويحضر فيها مشاهد من العالم العلوي شبيهة بما وصل إليه الشاب المترف جوزيف بلانشيه من قدرته على لقاء الأموات.

ولكن الكاتب استطاع أن يضفي على ذلك الموروث الصوفي مسحة علمية أكسبته روح العصر الذي يعيشه شاب في القرن الحادي والعشرين.

تعرية المجتمع المحافظ

لم تخل الرواية من كثير من مظاهر الفساد الاجتماعي والسياسي وحالة التناقض الفكري والفلسفي التي يعيشها الموريتاني المنتقل من قاع البداوة إلى تجليات الحداثة، فتختصر مشاهد "مينة بلانشيه" وشيخها الذي ترافقه السبحة وفنانها الذي لا تفارقه "تيديننه" ومجالس الأنس والطرب، واستعراض المفاتن، والتمايز الطبقي تعرية جزء من ذلك الواقع المسكوت عنه.

كما أن حالة الشاب "جوزيف" الذي ورث من المال ما يكفيه مؤونة الدراسة أو البحث عن عمل تكشف طبيعة محدثي النعمة من الجيل الموريتاني الجديد، وإن كان ذلك المال الوافر لم يكسب صاحبه السعادة التي يتمناه فنجده وهو في أجمل البقاع الأوروبية يتمنى لو كان عنده عمل يلزمه بالاستيقاظ صباحا والكدح طوال النهار، والعودة مجهدا في المساء ليجد لذة الاستحقاق لسعادته.

ولعل الجانب الأبرز من الفساد هو الجانب السياسي والقانوني الذي كان مسك الختام للرواية حيث تصدر محكمة حكما قضائيا ويوقعه وزير من دون استبيان حقيقته، وترفض جهات تنفيذية العمل بمقتضى حكم قضائي، في تناقض صارخ مع روح الديمقراطية، ولكنه وصف دقيق لواقع الحال.

وتتجلى الفكرة الأبرز للرواية بكاملها عن حالة ضياع الهوية التي تعيشها موريتانيا، وهي الدولة التي وجدت نفسها معترفا بها في العالم بوصفها دولة عربية ولكنها في واقع الحال تابعة ثقافيا لموروث فرنسي رحل أهله وسادته من زمن وبقى من يؤمن لهم الحماية.

حسرة القارئ الموريتاني


وخارج نص الرواية يجد القارئ في نفسه جملة أسئلة:
-       لماذا  لم تصل هذه الرواية الجميلة إلى القارئ الموريتاني في عقر داره؟
-       لماذا يشاد بالأدب الموريتاني من كتاب عرب قرأوه فاستمتعوا به، ولم يكن في نفسهم حرج من الإشادة به، ولا يسوق الموريتانيون أدبهم في بلادهم؟
-       لماذا على الكاتب الموريتاني أن يذرع الأرض بحثا عن ناشر لإنتاجه وتخلو أرض "المليون شاعر" من دار نشر على قدر من المهنية والانتشار؟
-       لماذا يضطر الراغب في اقتناء الأدب الموريتاني إلى البحث عبر الانترنت ولا يستطيع اقتناءه من مكتبات نواكشوط؟
-       لماذا تتسابق شركات التوزيع العربية لتوزيع الكتب الموريتانية المنشورة في المشرق العربي ولا تتكفل مكتبة موريتانية واحدة بذلك في أرضها؟

إلى أن تجد تلك الأسئلة إجابة... علينا دائما انتظار مولود موريتاني جديد في عالم الأدب يحتفى به من الغرباء وينبذ من الأهل تماما مثل "جوزيف بلانشيه"

الوزير الأول والحوض الشرقي.. حقائق مفزعة

أحمد ولد إسلم 

Ahmed3112@hotmail.com

 المساحة: 183000 كم²

عدد السكان: 430688 (إحصاء -2013)
عدد النواب: 13 نائبا بواقع نائب عن كل 33128 مواطن (المرتبة الرابعة في ضعف تمثيل السكان حسب العدد 75 من جريدة الأخبار) (لم يسمع عبر التاريخ الموريتاني صوت لأي منهم تحت قبة البرلمان إلا مرة واحدة حين سب نائب باسكنو سكان مقاطعته المتظاهرين من أجل الماء).

جميع النواب من الحزب الحاكم باستثناء الانتخابات الماضية فاز ثلاثة من الأحزاب الموالية للرئيس بثلاثة نواب (وذلك منذ بداية الديمقراطية).

عدد رؤساء الحكومات المنحدرين من الولاية خمسة (اسغير ولد امبارك - الشيخ العافية ولد محمد خونة - محمد الأمين ولد اقيق - مولاي ولد محمد الأقظف - يحي ولد حدمين).

عدد الثانويات بثلاث شعب (ثانوية واحدة في النعمة).
عدد الثانويات من شعبتين (خمس ثانويات).
ثانوية امتياز واحدة (انتهت السنة الدراسية ولم يتلق طلابها منحهم حتى الآن).
عدد الأطباء الجراحين (جراحان فقط في المستشفى الجهوي بالنعمة أحدهما سوري).
عدد سيارات الإسعاف (ثماني سيارات إسعاف، اثنتان منها في النعمة).
عدد المصانع (صفر).


تغطية الكهرباء (مقتصرة على عواصم المقاطعات) وما تزال أحياء من كل عواصم المقاطعات لم تصلها الكهرباء بعد.

شبكات الطرق بين المقاطعات (معدومة-  باستثناء طريق الأمل بين النعمة وتنمبدغة مهترئ ولم يخضع للصيانة منذ تعبيده بداية الثامنينيات).

شبكة المياه (تغطية ضعيفة في عواصم المقاطعات بمعدل ست ساعات في اليوم تتراجع إلى ساعتين في الصيف) وبعض الآبار الارتوازية في البلديات الريفية.

مشروع بحيرة الظهر (سبع سنوات في انتظار الاكتمال).

المطارات (مطار النعمة الدولي مغلق منذ تدشينه 2005).

تحتل المتربة الأعلى في نسبة التسرب المدرسي حسب إحصاء وزارة التعليم 2013.

رجال الأعمال البارزين (صفر).

هذا ما أسعفني به الوقت والمعطيات المتوفرة، وربما يضيف الإخوة تفاصيل أكثر.

هذه مجرد حقائق أضعها بين يديكم ليس القصد منها إثارة الجهوية، ولكن فقط لعل أحدا يوصلها إلى الرئيس ليعلم أن تعيين وزير أول من الولاية ليس هو أكثر ما تحتاج إليه.

استيراد الخلاف... مرة أخرى

أحمد ولد إسلم Ahmed3112@hotmail.com

الممتبع للصراع بين النخب السياسية الموريتانية على مدى العقود الخمسة الماضية من عمر الدولة الموريتانية يجد أن المحور الأساس فيها يكون في الغالب خلافا إديولوجيا مبنيا على أفكار مسبقة وإسقاطا لنزاعات حدثت بين ربائب تلك الحركات السياسية في بلدان أخرى أقربها تفصله عن موريتانيا آلاف الكيلوميترات.

فالصراع المحتدم فكريا بين التيار الإسلامي والقومي أو الاسلاميين واليساريين أو حتى بين أجنحة القوميين أو الاسلاميين يرتكز أساسا على صراع تلك التيارات في مناطق الشرق العربي أو حتى الشرق الآسويي والغرب الأوربي والأميركي.
وما يذكي جذوة ذلك الصراع هو تبنى كل تيار سياسي لأفكار نظيره في بلد ما والدفاع عنها من دون تنقيح، معتبرا انتقادها أو الاساءة إليها موجهة إليه بوصفه الممثل الشرعي لتلك الأفكار في موريتانيا.

والدليل على ذلك نفور القوميين الموريتانيين من الاسلاميين بسبب مواقفهم من الأزمات في سوريا والعراق ومصر، وإصرار القوميين على محاسبة الإسلاميين على أخطاء ارتكبها التيار الإسلامي في مصر أو تونس أو تركيا، تماما كما يحاسب الإسلاميون القوميين على جرائم ارتكبتها عبد الناصر أو حافظ الأسد أو صدام حسين في بلدانهم بحق الإخوان المسلمين أو السلفيين.

في حين أن التاريخ السياسي الموريتاني لا يذكر فيه موقف لأي تيار سياسي موريتاني تسبب في خلاف عميق أو صراع على قضية محلية.

ولكن هذا الاسقاط للخلافات السياسية يبقى في حدود المعقول لأنه في أقصى درجات تطوره لن يبلغ أكثر من محاولات تصفية الخصوم السياسيين سواء بالمكائد أو بالتجريح اللفظي أو الاشتباكات في قبة البرلمان أو الساحات الطلابية.

إلا أن هذا الاستيراد يكون في حكم الجريمة في حق الوطن والمواطن حين تتبناه الدولة الموريتانية باعتباره أساسا للتعاطي مع قضاياها الداخلية، فربط اي حكومة في دولة ذات سيادة موقفها من قضية ما، بموقف دولة أخرى، إهانة للمواطن الذي أعطاها حق تمثيله، ويضعها في خانة الإمعات الذين لا يستقر لهم قرار ولا يمكن لهم أن يقدوا مسار تنمية دائمة، لأن مواقف تلك الدول قابلة للتعديل ولن تستشير موريتانيا في تعديلها إن قررت ذلك.

وخلال الأعوام التسعة والخمسين التي توالت فيها أنظمة سياسية على مورتيانيا كانت أزمتها السياسية تأتي دائما من ربطها مواقفها من القضايا المحلية بمواقف دول حليفة أو صديقة.

وحده نظام الرئيس المؤسس المختار ولد داداه استطاع أن يدير ظهره للخلافات القائمة بين قطبي العالم حينها، ويخرج بمواقف تثبت فعلا إيمانه بكتلة عدم الانحياز التي كان من أكثر الزعماء نشاطا فيها.

وحين استولى الجيش على السلطة في مورتيانيا كان مبرره أن حرب الصحراء أنهكت الدولة ومنذ ذلك الحين والحالة السياسية في البلد رهن بالصراع الثنائي بين المغرب والجزائر، باستثناء السنوات الأخيرة من نظام ولد الطايع حين اتخذ قرارا بالتطبيع مع إسرائيل تقربا من الولايات المتحدة الأمريكية نكاية في فرنسا بعد فتح ملفات حقوقية له في المحاكم الفرنسية.

ولم يشهد البلد من الاستقرار إلا السنوات القليلة الفاصلة بين الانقلابين على الرئيس السابق معاوية ولد الطايع والرئيس المدني المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ الله.

ومع الأيام الأولى لانقلاب الجنرال المقال محمد ولد عبد العزيز عاد الصراع متلبسا في بدايته الرغبة في الوساطة لحل الأزمة السياسية، وتخندقت القوى الفاعلة في المشهد السياسي العالمي بين طرفي الصراع الممثلين في نظام الجنرال المنقلب والجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية.

جنى النظام سريعا ثمار تحالفه مع نظام العقيد معمر القذافي، وأراد رد الجميل له من خلال وقوفه ضد ما كان إرادة شعبية وسببت تلك المواقف إضرارا بمصالح الموريتانيين المقيمين في ليبيا تماما كما أضرت المصالح الموريتانية في الخليج.

استعاض النظام عن دول الخليج والدول الغربية بالتقرب من إيران وما كان يسمى محور الممانعة، واتخذ مواقف حدية بالاندفاع إلى الحضن الفارسي والدفاع عن نظام بشار الأسد، وعمق الشرخ مع دول الخليج العربي.

ولكن حين تبين له أن ذلك الموقف لم يعد الورقة الرابحة غير اتجاهه مائة وثمانين درجة مندفعا إلى حضن الدول الخليجية التي تناصب إيران وما كان يعرف بقوى الممانعة العداء، وليثب إخلاصه في ذلك تبنى رؤيتها الفكرية والسياسية واستورد خلافاتها مع دول وتيارات سياسية في زمان ومكان مختلفين وأسقطهما على المشهد السياسي المتأزم في الداخل.

وهو بذلك يرتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبه نظام ولد الطايع حين تقرب من واشنطن عن طريق فتح مقر للسفارة الإسرائيلية في نواكشوط، وتقرب منها بعد ذلك حين ركب موجة الحرب على الإرهاب، وهي الموجة التي ركبها ولد عبد العزيز وأسقطته في أتون الحرب في شمال مالي تقربا من فرنسا.

الخلاصة أن البحث عن المصالح الوطنية وتوطيد العلاقات الديبلوماسية بما يخدم الصالح العام للمواطنين أمر مطلوب لكن الأعراف الدولية والفطرة السياسية السلمية لا تستدعى عداء من يعادي الحليف،  ولو عاد النظام الموريتاني إلى الموروث المحلي لوجد أن أهم قاعدة في العلاقات الدولية مؤصلة في المثل الشعبي " نبغي لبغيك يغير ما نكره لكرهك".

نقلا عن أسبوعية "الأخبار إنفو"

الأربعاء، 14 مايو 2014

توديع الصبا

أحمد ولد إسلم

بعد ظهر يوم اثنين غائظ قبل ثلاثين عاما، رزق في الحي الواقع شمال المستشفى القديم  بمدينة النعمة في الشرق الموريتاني رجل مكافح وسيدة رائعة بطفل، طرق باب الحياة في عام "الدقيق" كما عرف محليا، لاحقا عرف أنه عام وصول دقيق القمح إلى تلك البقعة من أرض الله الواسعة جدا.
كان يوم الرابع عشر من مايو عام 1984 يوما مميزا جدا في تلك العائلة، فالأب يرزق بأول ابن ذكر له، ولاحقا ستعرف الأم أنه سيكون آخر أبنائها.
سنوات بعدها سيدرك هو معنى أن يجمع بين الأول والأخير..
كانت الأم تحلم به عالما فسهرت ليال لتحفيظه القرآن، وكان الأب يحمل به حافظا للقرآن ثم مهندسا أو طبيبا، فكافح كثيرا في الحياة ليوصله إلى هذا الهدف.
في منتصف طريق حلمي الأبوين تشكلت معالم حلم ثالث للابن، حفظ القرآن لكنه لم يتفرغ للعلوم الشرعية كما حلمت الوالدة، ولا للعلوم التطبيقية كما أراد الوالد.
فقبل عشر خمس سنوات من عام 2000 كان في المدرسة رقم ثالث معلم يدرس السنة الخامسة ابتدائية زرع في قلب الطفل حب الأدب العربي ولغته، وشكل منه شخصية حالمة بذكر اسمها يوما بين مصاف الكتاب.
وعام 2001 شكل اختيار طرف رابع خطوة مهمة ليغير المراهق - بعد معركة أدبية-  مسار تخصصه من العلوم التطبيقية إلى الأدب.
كانت تلك خاتمة حلم الأب فرضي بها، وواصل كفاحه ليصل الإبن إلى مراده.
ولأن الأدب لا يطعم خبزا، كان الاعلام أقرب، فشق الطفل طريقه مكتشفا عالما جديدا وقافزا من أحياء النعمة الفقيرة والجميلة إلى شوطئ المتوسط الفقيرة والجميلة أيضا.
تعلم الطفل من أمه توزيع السعادة من دون انتظار شكر، ومن أبيه الكفاح حتى النهاية..
أمضى ثلاثين عاما مبتسما ومكافحا، كان إذا اغتم تذكر كلمة السر بينه وبين أمه، " يا الراجل اضحك".. وإذا هم بالتراجع تذكر كلمة أبيه وهو يصافحه أول مرة مودعا إياه في ليلة مظلمة من أكتوبر قبل عشرة أعوام " لقد اخترت دربك بنفسك .. والحر في ما مشى"
اليوم يودع ذلك الطفل آخر يوم في صباه، اليوم يضع قدمه على أول عتبة في عقده الرابع، جلس طويلا ووحيدا لحساب خسارته وربحه في ما يتفرض أنه منتصف العمر.
لم يتخيل أنه سيكون هنا في هذا اليوم، وحيدا في شقة على مقربة من شاطئ الخليج، لا يشاركه أحد..
**-**-**-**-*-
عند هذه الجملة وصلت رسالة جماعية أصدقائي في قناة الحدث غيرت كل شيء..
صدقوني كلمة واحدة قد تشكل فرقا..
لا أعرف كيف أشكرهم..
لن أكمل النص الذي بدأته فأنا لن أكون وحيدا بعد اليوم.



الأربعاء، 15 يناير 2014

ذاكرتي المسروقة..


أحمد ولد إسلم
عشر سنوات طوال وأنا أرتب رفوفها، أصفف مجلداتها، أنتقى بعشوائية منظمة ما يستحق أن يحفظ فيها، أعود إليها بين الحين والآخر وأحذف منها الذكريات التي افترض ان صلاحياتها انتهت، وكثيرا ما اكتشفت أن ذاك الحكم كان خاطئا، فالذكريات لا تنهي صلاحياتها.
عشر سنوات وأنا أطوف العالم، وربوع الوطن، بحثا عن شتاتي، أهاجر وأهجر، أقيم وأرحل، أضحك وأبكي، أتوسل وأجامل، أبتسم في عز حزني، أفتعل التغافل، تتقاذفني الوجوه المكفهرة والباسمة.. عشر سنوات وأنا أحاول اختزال ثلاثين عاما في ذاكرة احتياطية،.. ثم تسرقها أنت ببساطة.
يؤلمني أيها السارق المحبط أنك ستصدم حين تطلع على تلك الذاكرة التي كانت لفرط بساطتها بارزة، لم أكلف نفسي عناء إخفائها وأنا أرتب حقيبة سفري، ليتك تعرفني، ليت تعرف أني حين أرتب حقيبتي مسافرا لا أضع فيها سوى ما أحتاج إليه، ففي المطارات العربية كل الحقائب عرضة للسرقة..
افتحها على مهل ستجدها طاهرة من الفيروسات، مرتبة بعناية يستقبلك فيها ملف بعنوان "الماضي السحيق".. وحين تفتحه ستجد طفلا قزعي الرأس، يحتضن سلاحا بلاسيتيكيا، يرش الماء.. ويجلس في حضن امرأة صنعت منه اليوم رجلا، يحمل سلاحا يقذف حبرا.
هل تعرف كم أمضيت من الوقت بحثا عن تلك الصورة، وهل تعرف أني لم آخذ مما خلفه أخي المنتقل إلى رحمة الله بفعل انعدام سيارة إسعاف في عاصمة البلد الاقتصادية إلا تلك الصورة،؟ هل تعرف لماذا؟.. لأنها كانت أعز ما يملك، فهي أقدم صورة لي ولأمي، وهي الوحيدة التي تجمعنا وإياه.
ترى هل ستحافظ عليها.. من أجل تلك الذكرى؟
صديقي .. نعم أنت صديقي .. بل أنت أكثر من ذلك، ففي بيتك الآن ثلاثون عاما من حياتي.. في بيتك الآن تضحية فقير، ونضال طالب، وغضب عاطل، وفرح موظف، ومغامرات صحفي، .. ويؤلمني أن من بين تلك المغامرات ما كان على أرضك، ففي ذلك المطار، دخلت قبل ثلاث سنوات أحمل روحي على كتفي، وعبرت منه إلى خط الموت، وعدت مبتسما.
ستجد فيها صور الفرحتين، فرحة العائد من الحرب، وفرحة العائد إلى الحب الذي خاض الحرب من أجله، وتوثيقا لثلاث سنوات من النعيم، مختزلا في ابتسامة خجولة في مصعد كهربائي، ونظرة دائفة على وقع موسيقى نافورة دبي، وليلة العمر في فندق من خمس نجوم... آخ.. جميل أن بعض ذكرياتي لا يحتاج إلى ما سرقت.
ما لا تعرفه أيضا أنك سرقت ذاكرة بلد، فتلك القطعة الصغيرة المهملة في بيتك الآن، كان فيها أكثر من أربعة آلاف صورة تؤرخ لما قبل ميلاد الدولة الموريتانية، بها نشوة الفرح الأولى، حين يعلن الرئيس المؤسس بلغة فرنسية بلكنة موريتانية قيام الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بها أول اجتماع تحت خيمة في العراء، وحفلة عيد ميلاد العاصمة الأول، بها صور سبعة رؤساء انقلب بعضهم على بعض من دون أن تسيل قطرة دم واحدة.
بها صور الانقلاب على أول رئيس مدني لم يكمل الفطام في قصره، تلك الصورة التي كلفتني علامة سوداء على ظهري من ضربة شرطي حانق، ليس لأن نظاما ديقراطيا اعتدي عليه، بل لأنه يعلم أني سأحتفظ بصورته وهو يحرس بوابة وزارة الداخلية، التي أعلن من مبانيها وصول الرئيس المنتخب إلى السلطة.
بها آلاف الصور عن فساد الحكومات، وعن أطفال الشوارع، وأخبية العجائز، وحقول الفقراء، والبيوت المهجورة.
أنت الآن تعرف من أنا، وتعرف أني موريتاني، ولكن قد لا تعرف أن الموريتاني ضعيف الذاكرة، وأني كنت أحتفظ بذلك القرص الصغير لأواجه به تلك الآفة، فغدا قد يأتي إلى قريتنا أحد الذين نبت لحم أكتافهم من أنظمة الفساد، ويقول إنه تاب إلى الله وصار قديسا، وأنه لا شيء يثبت أنه تلوث يوما في بؤرة الفساد.
قد يقول الرئيس الموريتاني الحالي بعد أربعة أشهر أنه لم يرتبك يوما خطئية الانقلاب على رئيس منتخب، وقد يقف ضده من كانوا في كتيبته البرلمانية، وقد يدعمه من كانوا يطالبون برحيله عن السلطة، وقد تراني أنا – إن كنت تشاهد التلفزيون الموريتاني- من بين الداعمين له، لأني فقدت كل ما كان يذكرني بالماضي، وأنا موريتاني.
أعرف أنك لن تعيد إلي ذاكرتي، وأنك قد تكون الآن قد بعتها بما حوت لغيرك، وقد يكون المبتاع، خذف كل محتوياتها، ليملأها بذكرياته، ولكن فقط إن كتب لك أن ترى يوما هذا المقال، أو يراه من صارت الذاكرة في حوزته، أن ترسل إلى تلك الصورة، فأنا لا أملك منها نسخة أخرى.