الخميس، 26 نوفمبر، 2015

العبق الهارب (قصة قصيرة)



أحمد ولد إسلم

Ahmed3112@hotmail.com

الساعة الثانية وثلاث وعشرون دقيقة، كانت الهواجس والأخيلة السوداء تملأ السرير ذا الحجم الملكي، أغلق كل مصادر الإنارة في الغرفة المكتظة بالأشياء التافهة، حتى موصل الكهرباء الذي كانت تنبعث من أحد مقابسه نقطة ضوء حمراء، رأى فيها مشوشا على ذلك الظلام الذي يحيط به نفسه.

أمضى أكثر من عشرين دقيقة يحاول إقناع النوم باللجوء إلى عينيه المرهقتين من إدمان السهر..

تسلل اليأس إلى نفسه..

عشرون دقيقة كانت كفيلة ليجول فيها بين عشرين سنة من عمره، تذكر كل الوجوه ذات القيمة في حياته، كل النساء اللاتي عشقهن من أول نظرة، نساء لا يعرف أسماءهن، وأخريات لم يمتلك الجرأة لإخبارهن بعشقه، ونساء لم يكن واثقا من حبه لهن من البداية..

لا يعرف كم مرة تقلب على ذلك السرير ذي اللحاف البني، ولا كم مرة ملأ رئتيه من الهواء العفن برائحة السجائر، لكن الخلاصة التي أوصلتها إليه تلك الزفرات والتقلب والدقائق العشرون أن أفضل وسيلة للنوم في ليلة أرق هي عدم جلبه عنوة إلى الجفون.

مد يده اليسرى بكسل إلى المصباح المحاذي لقائم السرير، أضفى الضوء المنبعث منه قليلا من الحيوية إلى رتابة الغرفة.

 تحامل بكسل ليصل باب الخزانة، وعود الثقاب يذوي بين يديه وهو يشعل سيجارته..

كانت رائحة الدخان تملأ الغرفة، ولم يعد يميز بين المشتعل من السجائر والمنطفئ قبل شهر.

 مد يده إلى منتهى الخزانة واستل قميصا لم يعر أي اهتمام للونه ولا لتصميمه، أدخل رأسه فيه بعنف أسقط السيجارة من فمه وكادت تحرق البساط المتمدد بكسل قبالة الخزانة، ولم تتغير وضعيته منذ ثلاثة أسابيع، موعد آخر زيارة لعمال التنظيف إلى غرفته.

أشعل سيجارة أخرى، وهو يشد رباط حذائه الرياضي، ترك باب الشقة -كسلا – مواربا، ووقف بانتظار المصعد.

كان المصعد يهوي من الطابق التاسع عشر بسرعة، في عد عكسي للطوابق، توقف لثوان، عند الرقم 12A ابتسم بسخرية من تشاؤم مصمم المصعد من الرقم 13، وكانت تلك الثواني كافية ليأخذ نفسا من سيجارته، ويدوس بحنق على بقيتها، وينفذ دخانه على اللوحة التي كتب عليها بخط رديء "ممنوع التدخين".

انفتحت أشداق المصعد فابتلعه، ووجد نفسه وحيدا أمام صورته في المرآة، فكر للحظة في غباء من يعتقد أن وجود مرآة في مصعد بناية كثيرة الطوابق ضروري لإشعار مستخدميه بالراحة النفسية وهم ينظرون إلى صورهم، مما يجعلهم يتناسون السرعة المفرطة التي تقذفهم بها تلك الحبال الحديدية المكهربة إلى الهاوية، لكن صورته لا تبعث على السرور ولا على التأمل.

فجأة غمرته رائحة نفاثة لعطر عذب، عطر يحمل ذكريات عصية على التجاهل..

التفت ليتأكد إن كانت في المصعد امرأة لم ينتبه لوجودها وقت دخوله، لكنه وجد نفسه وحيدا قبالة نفسه المتعبة، وعيونه المحاطة بهالات سوداء وشعره الأشعث ولحيته الكثة، كانت رائحة العطر أقوى من أن يفكر بغيرها، وأغمض من أن يعرف مصدرها.

تجاوز العتبات القصيرة لمدخل البناية وترك باب المصعد ينغلق خلفه، ألقى نظرة خاطفة عليه، لكن لوحته كانت تتصاعد في أعدادها متجاوزة الرقم العاشر..

اهتزت السيارة الرياضية قليلا قبل أن تنبعث موسيقى حزينة من سماعاتها.

 لم يبال بارتفاع صوت الموسيقى ولا بما قد ينتج عن إزعاج جيرانه في هذا الوقت من الليل، فقد انطلق بسرعة فائقة وهو يسلك منعرجا تقول لوحة جانبية إنه يؤدي إلى الشاطئ.

كانت الشوارع هادئة إلا من سيارات قليلة وبعض سيارات الإسعاف التي لولا أضواؤها المتلألئة لم تكن لتميز عن غيرها.

ركن سيارته في موقف زوار الشاطئ، وأطفأ السيجارة التي أتت النيران على نصفها، أغلق باب السيارة بعنف وهو يترجل منها، لكنه تذكر حين لمس جيبه الخلفي أنه لم يأخذ سجائره، انحنى لأخذ العلبة من خلف زجاج السيارة المنخفض إلى النصف، فملأت رائحة العطر أنفاسه فجأة.

كانت امرأة في غاية الحشمة والجمال تمر بجانبه، متوجهة إلى الشاطئ..

أخرج سيجارة من العلبة التي لم يبق فيها كثير، وأشعلها بسرعة تشي بتوتر لا يعرف مصدره بالضبط.

 فكر للحظة أن يوقف تلك المتمايلة بكسل ويسألها عن عطرها الفواح، لكن هيئتها المحتشمة والساعة المتأخرة التي تزور فيها هذا المكان، جعلته يخشى أن لا تكون وحدها.

تتبعها من مسافة لا تقل عن مائة متر، لكن رائحة العطر لم تفارق أنفاسه، فجأة قرر التوقف عن هذا التصرف الصبياني، أشعل سيجارته وجلس على الشاطئ في صمت، وغابت المرأة عن نظره، ومعها غابت رائحة العطر الأخاذ.

لا يعرف كم من الوقت أمضى في تلك الجلسة، ولا كم سيجارة أشعل لكنه وقت كاف ليتذكر ما كان لذلك العطر من قيمة، وما عاشه في عبقه من ذكريات، وما يكفى لتخبره العلبة البيضاء أن جيبه لم يعد مكانها المناسب..

وقف بكسل، ومشى خطوات قليلة قبل أن تهب من جديد رائحة العطر، التفت فإذا المرأة ذاتها تتجاوزه مبتعدة إلى الجهة الأخرى من الشارع، سارع خطواته خلفها، ويبدو أن ذلك أربكها فأسرعت قليلا في مشيتها، ولم يكن ذلك في صالحه، ولا في صالحها.

توجه إلى سيارته وهي انطلقت بسيارتها مسرعة، لكنه التواء الدائرة أجبرها على المرور بحيث يحفظ رقم سيارتها.

انطلق بسرعة خلفها، وقبل أن يقترب بما فيه الكفاية ليتمكن من موازاة سرعتها، كانت إشارة المرور تتحول إلى الضوء الأصفر، لمدة ثلاث ثوان ، قبل أن تصير حمراء بالكامل.

 لكن تلك الثواني الثلاث كانت كفيلة بانعطافها يسارا، ووقوفه عند الخط الأبيض ملتزما – في حالة نادرة ومفاجئة- بأوامر الضوء الأحمر.

فتح صندوق السيارة عن يمينه، وأخرج علبة سجائر، أشعل سيجارة وأقنع نفسه أن لا أمل في لقاء آخر مع هذه المرأة.

بالكاد لمع الضوء الأخضر لينطلق بسرعة، محاولا أن يسلك شارعا يلتقي لا محالة بالشارع الذي سلكته تلك المرأة، معتمدا في ذلك على سيارته الرياضية فائقة السرعة.

وهو ينعطف يمينا تأكد من رقم سيارتها منتظرة اخضرار الإشارة عند التقاطع، ابتسم براحة كبيرة، رمى ما تبقى من سيجارته، وتمهل في سيره، حتى لحقت به سيارتها متجاوزة إياه بسرعة كبيرة، لكنه كان مطمئنا أن الإشارة الضوئية المقبلة ستكون كفيلة بتوقيفها.

توقف بجانبها وخفض صوت الموسيقى، وخفض زجاج الباب المقابل لها بالكامل، وابتسم لها، فأنزلت زجاجها في حركة لا توحي بالرضا، لكن رائحة العطر غمرته فجأة، وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة، كانت الإشارة تخضر، وكانت هي على بعد أربعة أمتار سالكة – وبطريقة مخالفة لقانون السير- المنعطف الأيمن، ولم تتح له السيارة التي خلفه فرصة لاتخاذ قرار بملاحقتها، فاستسلم لقدره وأشعل سيجارة يائسة.

لا يعرف كيف وصل إلى بيته، ولا لماذا خرج منه أصلا، ولماذا يلاحق رائحة عطر غمرته فجأة في مصعد، لتسوقه الأقدار إليها في الشاطئ، ثم في ملتقى طرق؟

 قرر أن يمكث في السيارة في انتظارها، وهو على يقين أنها ستعود لا محالة إلى بيتها، قطّع انتظاره بالتفكير في غبائه، وبالتدخين، ثم قرر أن يدوس على روح تلك اللوحة المثبتة أمام المصعد، والتي تشير إلى منع التدخين، وأشعل سيجارته متجاهلا صورته في المرآة، وكاميرات الأمن المنغرسة في الزوايا الأربع للمصعد، والتي تشهد على كثير من سكان العمارة بما لا يرغبون في رؤية أشرطته.

داس على عقب السيجارة عند باب غرفته، كان الضوء الخافت الصادر من المصباح الجانبي يضفي السكينة على الغرفة..

تقدم ببطء إلى باب الخزانة لخلع قميصه، فامتلأت أنفاسه برائحة العطر المجنون، لم يتمالك قشعريرة سرت في كامل جسده، أعاد القميص الذي وصل إلى منتصفه، والتفت إلى الباب الأمامي، لكنه كان مغلقا، ولم يكن في البيت كله أحد سواه، وكانت رائحة العطر غالبة على أي رائحة أخرى، وضع يده على قلبه محاولا استحضار أي شيء من القرآن الذي حفظه وهو طفل، لكن شيئا ما اعترض يده.

أدخل أصابعه في جيب قميصه ليجد منديلا، تفوح منه رائحة العطر الذي أمضى ليلته يلاحقه، كان بقية من ذكريات أمسية لا تنسى.

ابتسم..، كانت أمنيته الوحيدة في هذه اللحظة أن تكون له رئتان إضافيان.


الأربعاء، 26 أغسطس، 2015

لست جنرالا يا أبي




أحمد ولد إسلم


هات يدك ودعني...

ارفع رأسك قليلا، دع تلك الدمعة الصافية تنزل باستقامة على خَدك، لقد كبرت يا أبي.. كبرت فأدركت أن الرجال يبكون..



اقرأ آية الكرسي بانتباه، اكتب "الباء" على جبهتي، لا داعي لافتعال التجلد.. أنا أعرفك.. أعرفك جدا.. وأعرف وطني.



إني مهاجر .. 



فتلك سنة من كان مثلي، لا يثنيه عنها بكاء "حَصان عليها نظم در يزينها ".



انظر وجهي الشاحب، تر عيني غائرتين من "سهر الدجى" "يابس الجنبين من غير بؤس"، حفرت معالم الشيخوخة طريقها في جبيني، ولما أكمل العشرين، وتمددت عروق ذراعي كأنابيب مشروع "بحيرة الظهر" على طريق الأمل.



لستُ من مازن يا أبي .. 



ولا أرضى "بالموت في العشرة"، لن يفقدوني الأمل، لم أنجح في امتحان الثانوية، ولكني لست فاشلا، ولا يمكن أن يكون عدم النجاح فشلا، أنا واحد من بضعة وثلاثين ألف شاب ينتظرهم مصير مجهول.. لكني أرفضه.



في الأرض منأى.. وفيها بقاع لا يسأل فيها الأخ أخاه دليلا.



لا تلتفت.. لا ترخ قبضة يدك على يدي.. "أطل الوداع..".



في رجفة يدك وأنت تشد لثامك قصة خيبة عمرها نصف قرن، وما أنت في ذلك مليم، فهذه الأرض طاردة.



لماذا تحزن؟!



ألم تكن لتقف وقفتك هذه لتودعني لو نجحت، هل في مدينتك جامعة؟!



ألم تقفها قبل عام وأنا بين الحياة والموت لأَن علاجي استدعى سفرا إلى العاصمة، إذ ليس في مدينتا جرّاح؟ 



ما الفرق بين الهجرتين..؟



إذا غاب الحبيب فلا عبرة بالمسافة..



وفر وعظك يا أبي.. فأنا أصدق حرصك.. ولكن من سواي يصدقه؟



هل ألوم مدرسا لا يكفيه راتبه إن صار تاجرا؟



هم ألقوا بضعة وثلاثين ألفا منا في اليم مكتوفين.. فكيف يلام الغريق على البلل.. كيف لا نفشل في الامتحان إن كان النجاح حكرا على الأغنياء؟



كيف لا نفشل إن كانت بقرتنا الوحيدة، لا تلد عجلا من ذهب؟



لا يساورك القلق.. فقد هاجرت وأنت أصغر مني وأقل خبرة في الحياة.. وأنا على ملتك.

قوارب الموت غربا تنتظرني.. كتائب الموت شرقا تنتظرني.. غابات الموت جنوبا تنتظرني.. ولكني أبحث عن الحياة.

  

هنا يا أبي لك أنت .. أنت راضٍ بما أنت فيه، لا ألومك لكن ماذا سأفعل إن بقيت؟



من يزوجني إن خطبت، من يعيلك إن عجزت، من سيشترى دواء أمي غدا..؟



اصبر قليلا.. عاما واحدا أو عشرة.. وسأعود.



وحين أعود تذكر يومك هذا، وأنت تودعني وحيدا، وتعود أدراجك.. تشيعني بنظرة أمل أن تنداح الأرض فلا تغيب الحافلة عن ناظريك حتى أصل.. تذكره جيدا، فيوم عودتي سيمتلأ بيتك بالزائرين، وستعج ساحته بالذبائح.. سيأتيك أناس لم يزوروك قط في غيبتي، وربما لم يلاحظوا يوما أني هاجرت..



ولكن لأَنِّي عائد من هجرة فأنا مظنة للغنى.. أو رائد لدرب موحش يتلهفون لسماع أخباره..



لن يأتوا حبا لك أو لي.. بل لما صرت إليه.



اكتب "الصمد" بأصابعك الخمسة في كفي.. هل لاحظت أنك اخترت هذا الاسم الحسن لله تعالى .. إنه صمد.. يقصد حيث كنت.



هذه الأرض ليست لي.. أنا بلا سند، أنت لست جنرالا.. لست رئيسا.. لست من الأثرياء الجدد.. لست تاجرا حتى.. فكيف أبقى هنا.



صدقني يا أبي إني أهاجر كي أقيم هنا.. إني أفر بأملي بحثا عن أرض لا يغتال فيها.. لم يبق لي سواه .. فاعذرني.



هذه الأرض تغتال الأمل ..




الخميس، 30 يوليو، 2015

انتظار الماضي .. إصدار قصصي قريبا في المكتبات

شكر مستحق

بعد أربعة أعوام من التسويف والكسل والتكاسل، وضعت مع "الدار العربية للعلوم _ناشرون في بيروت" اللمسات الأخيرة على مجموعة قصص قصيرة ستكون خلال أسابيع في المكتبات. 
فالحمد لله أول الأمر وآخره وله الشكر كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. 
واليوم وأنا أنشر هذا الخبر يجب علي استحقاقا أن أرسل باقات شكر وامتنان لكل من كانت له يد في ذلك. 
لمن كانت صاحبة الفكرة الأولى وسهرت ليال لجمع شتات القصص المنشورة متناثرة في المواقع والمنتديات وتهذيبها وترتيبها بالشكل الذي ستظهر به في الكتاب. 
آسية عبد الرحمن كل الشكر لك.  
للشاعر المختار السالم ولد أحمد سالم الذي كان المشجع الأول وكان أول مطلع على المخطوط فنشر على صفحته هنا تقريظا وتشجيعا حملني فيه مسؤولية رفع لواء القصة القصيرة في موريتانيا.
وللشاعر محمد ولد ادومو الذي كان أكثر من يسأل عن الجديد وأكبر مشجع. 
وللدكتور أدي ولد آدب الذي اطلع على المخطوط وقدم ملاحظاته النقدية المفيدة جدا. 
وللشاعر محمدأحيد ولد حاملي الذي كان آخر من اطلع على المخطوط فأخرج " مبارك" أخطائه. 
للمبدع المميز نجم القطب الشمالي محمد بدين ولد احريمو  الذي أوصل بصوته المميز جزء من هذه المجموعة إلى المستمعين عبر إذاعة صحراميديا والشكر إلى القائمين عليها موصول. 
لوكالة الأخبار الموريتانية كل الشكر فعبر صفحاتها وصلت جل القصص المنشورة إلى القرّاء. 
ولكل القرّاء الأخفياء الذين كان لهم الفضل في تشجيعي سواء من تواصل منهم معي أول لم يتواصل. 
ولكل من كان له يد في وصول هذا الكتاب إلى القرّاء مع حفظ الألقاب
وقبل هؤلاء جميعا الشكر لثلاثة مجاهيل كانوا السند الأول لي في خربشاتي الأولى: 
أول الثلاثة ذاك المعلم الذي زرع في حب اللغة خلال تدريسي الصف الخامس في المدرسة رقم ٣ في النعمة ولا أعرف عنه إلا أن اسمه محمد فاضل وما زلت أبحث عنه. 
وثانيهم معلق مجهول في موقع المنبر الموريتاني للإصلاح كان تعليقه هو الشاحذ لهمتي. 
وثالثهم تلك المدونة المجهولة في موقع مكتوب التي كانت تدعى سوسو سالم فقد واكبت أيام تدويني الأولى بالتشجيع وبقيت على ذلك العهد حتى عهد قريب جدا من دون أن أعرف من تكون.
إلى أبطال قصصي الملهمين؛ تلك الجالسة في " زريبة صابو" في النعمة ، طفل أخرس يبيع الياسمين في شارع بورقيبة في تونس،  متسول يعزف الكمان في موسكو، مسافرة مرتبكة في مطار المنامة، قارئة في مقهى مول ابن بطوطة في دبي، إلى صديقي حامدينو الذي لا أعرفه ولا يعرفني. 
جميعا لكم الشكر .. 
ولأن نشر هذه المجموعة لم يكن الا نتيجة جهودكم جميعا فإن العائد من طبعتها الأولى سيكون مخصصا للمدرسة رقم ٣ في النعمة في شرق موريتانيا على أن يكون نصفه جائزة للأوائل في السنة الدراسية المقبلة حسب الأول من كل فصل موزعا بالتساوي عليهم. 
وذلك أقل ما تستحق تلك المدرسة التي مررت بها قبل أشهر وقد غطت الرمال حجرة كنت أدرس فيها. 
على أن يخصص العائد من الطبعة الثانية إن شاء الله لمدرسة سايلة تلك القرية التي لها علي حقوق لا تقضى. 

الأربعاء، 22 يوليو، 2015

إلى إيمان .. ليسامحني طفلك .. ليسامحني رقمك

إلى إيمان .. ليسامحني طفلك .. ليسامحني رقمك

أحمد ولد إسلم 

"السلام عليكم انا ايمان من سوريا حمص عندي طفل رضيع وبحاجة ومطلوب مني مصروفو زوجي مجاهد بسوريا وساكنة مع ابوي وامي عاجزين وكبار بالعمر ومكسورين على أجار البيت شهرين مالنا معيل غير الله جزاكم الله خير اذا لكم قدرة بمساعدتي 00962778847368"

أختي الكريمة إيمان الرمضون، وصلتني رسالتك هذه قبل أسبوعين، لا تعرفين من أنا، وكان لي أن أتغاضى عنها مثل عشرات الرسائل التي تصل إلى بريدي يوميا من حالات مشابهة احتيالا أو قلة حيلة، ولكن الصدق في صوتك المرفق معها ورنة الحزن الباكي المردد صداه في أذني كلما سمعت الرسالة، ونظرت إلى صورة ذلك الرضيع الحالم، والغافل عما حوله، الناقم غدا علي وعلى أمثالي، وبطاقة التعريف المرفقة بالرسالة دليلا على صحتها لم تترك لي مجالا للتجاهل أو التغاضي.
أعلم أن حرة محصنة مثلك ما كانت لترسل اسمها الثلاثي وصورة طفلها وبطاقتها التعريفية إلى مجهول إلا حين لم تجد غير ذلك سبيلا.
وأعلم أنك حين أرسلتها كنت مكثرة الرمي قصد الإصابة، وآمل أن لا يكون حظك منها ما أصابني.
"ذهب الذين يعاش في أكنافهم" يا إيمان.. ذهبوا.
لا أكتب إليك متفهما حالا، ولا متضامنا لفظا معك، فقد علمت أن العذر لا ينفع إلا قائله.
وإنما أكتب إليك اعتذرا لطفلك.
طفلك الجميل الذي لم يبلغ في الصورة التي وصلتني شهره الثالث -تقديرا-، تذكرته قبل أيام وأنا أشتري ملابس العيد، وأزاحم آباء الأطفال وأماتهم في المتاجر، تذكرته وأنا أتلقى صور الأطفال فرحين بملابسهم، تذكرته قبل دقائق وقد أعيتني حيلة لوصله فلم أجد إلا الاعتذار.
ليسامحني طفلك.. يا إيمان.. ليسامحني طفلك.
أعلم أنه لا يدرك أنه ولد عام الخراب، وأنه لا يعرف شيئا عن القانون الدولي ولا الرقابة على حركة الأموال، ولا يعرف شيئا عن الولايات المتحدة ولا وسترن يونيون ولا بطاقة التعريف الموحدة ولا تطبيقات الهاتف المحمول.
لا يعرف شيئا عن اللجوء.. وآمل أن لا تطول محنتك فتدركه، ولكنك تعرفين.
كتبتِ أنك في الأردن.. وصدق ذلك رقم طويل ربما أعطاه جهاز حاسب آلي تعس لا يدرك معنى أن يكون إنسان بجسمه وعقله وروحه المعذبة وأطفاله وأحلامه محض رقم من عشرة رموز.. ولكنك تدركين.
هنا في أرض النفط والمال الباذخ وغابات الإسمنت وملاعب الغولف.. لستُ سوى رقم مثلك تماما.. نسبي رقم من عشرة رموز، وأموالي أرقام في جهاز غبي يتعامل معي تماما مثل ما يتعامل جهاز اللجوء الغبي الذي منحك رقما.
هنا يا سيدتي و- الكلام موجه إلى طفلك - جنسيتي رقم يحظر عليه أن يحول أموالا إلى شخص آخر لا يحمل الرقم نفسه.
وحين زرت رجلا يطيل المكث عند باب السوق يحمل صور أطفال مثل طفلك مستحثا أمثالي على العطاء، شرحت له رغبتي في أن يصل مالي إليك أنت عبر "جمعيته الخيرية" المؤتمنة على أموال المسلمين.. قال بكل بساطة: اتصل بهذا الرقم.
كان الرقم لموزع آلي يتعامل بالأرقام؛ "للصدقة الجارية اضغط الرقم واحد.. لكفالة يتيم اضغط الرقم ... لبناء مسجد اضغط الرقم..." لم يكن من بين الخيارات لإرسال أموال إلى إيمان سلامة الرمضون اللاجئة السورية في الأردن اضغط على الرقم.."
كيف أشرح لطفلك أنه ولد في عالم الأرقام؟!
كيف أفهمه أن الأمم المتحدة تعده من ضمن الملايين الخمسة من الأطفال المحتاجين إلى رعاية .. وإن لم تنشر اسمه على موقعها الرقمي؟
كيف أشرح له أن النشيد الرديء الذي كنت وإياك – على تباعد بيننا – نردده في طفولتنا "بلاد العرب أوطاني" محض كذب؟
عزيزي ابن إيمان.. وسامحني على مخاطبتك هكذا لأني لا أعرف اسمك ..
حين تكبر ستعرف أن أمك امرأة عظيمة لأنها تكابد كي تعيلك، لم تبع عرضها ولا رمتك في ملجأ، ولا تركتك في حمص، ربما حين تبلغ الرشد ستعرف يوما أن المسافة من حمص إلى الأردن ليست بذلك القرب الذي تراه على الخريطة، وربما لا تكون هناك خريطة حين تكبر، ولكن عليك أن تعرف أن أمك امرأة عظيمة.
يمكن أن أبيت ليلتي هذه وأنا أكتب على هذا الجهاز الرقمي الذي يحول كلامي إلى أرقام، وأن أحدثك عن شيم العرب وأبي بكر الصديق وعثمان وطلحة وعن معن بن زائدة وحاتم الطائي وعن المعتصم .. ولكن ما فائدة ذلك..؟ 
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم .. 
ستنشر هذه الأسطر في أشهر المواقع والصحف في البلد الذي أحمل رقمه الوطني وسيقرأها آلاف من الناس، وربما أشاد بها بعضهم وربما تحمس آخرون وكتبوا شيئا اسمه "هاشتاغ #كلنا_إيمان_الرمضون وابنها ولكنهم ليسوا كذلك.. إنهم مجرد أرقام.
أما أنا فسأكتفي بالاعتذار، وعذري عاجز حتى عن إرضائي.. آمل أن تسامحني حين تكبر – إن كبرت يوما – آمل ذلك.





السبت، 11 يوليو، 2015

ولماذا يضحك..؟! (قصة قصيرة)


أحمد ولد إسلم  
على غير عادتها، كانت زوجتي تقف على باب الكوخ الخشبي في كامل صحوها وتقول إن الشاي جاهز،.. لم أصدق سمعي فلم يحدث أن استيقظت في هذا الوقت،.. كان ابني ينتزع المسبحة من يدي ويضحك.. يضعها في فمه، يرميها على الأرض ويضحك..نوبة غريبة من الضحك انتابته من غير سبب..
رددت مريم : ألم تسمع؟ قلت لك تعال فقد بردت كأسك..
حملت ابني على كتفي كان مشدوها إلى المسبحة قرب طاولة التلفزيون وما زال يضحك، أثارت ضحكاته زوجتي فلم تتمالك أن ضحكت..وضحكت أنا أيضا..
-
من أين جئت بكل هذا؟
-
من دكان سيد أحمد؟
-
ألم يقل لك البارحة إنه أغلق الدفتر حتى نهاية الشهر؟
-
بلى.. ولكني فوجئت به اليوم وهو يسلم علي منبسط الأسارير يحمل على كتفه كيس الخبز، فانتهزت الفرصة وطلبت كل شيء دفعة واحدة، لم يعلق ولو بكلمة كان يتابع أمرا ما من شق بابه، أعطاني ما طلبت وحملني السلام إليك..
-
غريب!
***
في الكوخ الخشبي المخصص للأمتعة وجدت ملابسي مرتبة،.. قميصا قرمزي اللون مكويا حديثا وضع على بنطال أسود، حذاء ملمعا وعليه جوارب جديدة؟
-
من فعل هذا يا مريم؟
-
أنا
-
متى؟
-
استيقظت لدى خروجك إلى الصلاة فأردت أن استغل انتظاري عودة سيد أحمد من المخبز في كي قمصانك...
لا شك أن إحدى بنات خالها عادت من سفر أو رزقت بمولود..قطعا  أن عندها طلبا كبيرا ستلقيه على كاهلي...تمتمت بذلك وأنا أريح عبق عطر جميل ضمخ به القميص..
قبلت ابني قبل الخروج، وحين أنزلته عن كتفي حبا إلى السرير يتوقف كل سنتمترات يلتفت إلى أحد جانبيه ويضحك..يضع كل ما وقعت عليه يده في فيه .. كأنه وزير.
***
على الرصيف المغبر وأنا انتظر الحافلة كان تصرف زوجتي الغريب يشغل ذهني، لم أستوعب هذا التفاني والنشاط المفاجئ، وهذه السعادة التي غمرت الجميع فجأة حتى سيد أحمد - الذي يتجادل الجيران في حقيقة أنه فقد إحدى قواطعه في حرب الصحراء لأنه لم يبتسم يوما- قالت مريم إنه لم يعلق على ما أخذت من دكانه...
أخرجني منبه سيارة فارهة من سورة شرودي، أشار إلي صاحبها بعد ما توقف في منتصف الطريق.. تقدمت خطوات منه مستفهما عن غرضه..
-
ألست قاصدا وسط المدينة؟
-
بلى سيدي ..
-
تفضل إذا
-
شكرا لك.. أنا أنتظر الحافلة
-
تعال.. أنا ذاهب أصلا إلى مجمع الوزارات ما يضيرني لو حملت من يؤنسني ؟
-
جزاك الله خيرا
كان الخطاب الطويل لرئيس الجمهورية ما يزال متواصلا في الإذاعة، وصوت مكيف السيارة أضفى عليه هدوء ناسب وعوده..
أحسست بشي صلب في جيبي، تلمسته فإذا ورقة مقتطعة من كيس الشاي، كتب عليها بخط رفيع متداخل الحروف كأن صاحبه كان مرتبكا" عد سالما.. أحبك..أم بلال"
انفجرت ضاحكا..، خفض الرجل المتأنق صوت المذياع، وقد استغرب ضحكي المفاجئ، فاسترق النظر إلى الورقة، ثم غلبت ابتسامة ملامحه الرسمية..
-
معذرة مسبقا.. ولكن ألم تجد غير هذا الاسم لابنك؟
-
أنت أيضا تعترض عليه؟!
-
لا أظنه لأحد من أقاربك..أليس كذلك؟
-
جدتي رحمها الله توفيت وهي ترفض أن تنادي ابني بهذا الاسم، قالت إنها رأت في منامها أحد الأولياء يخبرها أن ابني سيكون اسمه يحيى وقد أزعجها إصراري على بلال، الذي ليس موجودا في شجرة عائلتنا...
أعدت النظر إلى الورقة، وضحكت من جديد..
غريب أمر زوجتي مرت خمس سنوات منذ تعارفنا لم تقل لي يوما "أحبك"، حتى أيام الجامعة حين أهديها ما استطعت شراءه من منحتي تكتفي بالقول : لماذا تكلف نفسك..؟
وفجأة اليوم تستيقظ فجرا، تجهز الشاي، تكوي الملابس، تلمع الحذاء وتقول "أحبك"!
***
لم تكن في الطريق زحمة ، وكأن الناس مشغولون بأمر عظيم، حتى المتسولون الذين تعج بهم ملتقيات الطرق في مثل هذا الوقت كانوا قلة، ولم يكونوا متحمسين، ربما لأنه لا ازدحام يجبر السائق على التوقف، حاولت إحداهن الوقوف مستندة إلى عكازها لكن السيارة لم تتمهل عند الضوء الأحمر فعادت المسكينة لمواصلة حديثها مع جارتها التي كانت باسمة.
لم أجد في مقر الشركة حين أنزلني الرجل الكريم عندها سوى بائع بطاقات رصيد الهاتف، سلم علي بحرارة بعدما نزع سماعة من أذنه اليمنى قائلا: ألن تشتري بطاقة.. كل شركات الاتصال ضاعفت الرصيد اليوم؟
-
ما المناسبة؟
-
لا أعرف، استخدمت بطاقة في هاتفي الشخصي فأظهرت رصيدا مضاعفا ثم اكتشفت أن كل الشركات لديها عروض مماثلة.
-
لا بأس إذا.. ووضعت في يده المائة التي كنت سأركب منها الحافلة طالبا تحويلها إلى رصيد
في الساعة العاشرة، وبعد ما أكملت تنظيف المكاتب وجلبت الإفطار للمدير العام، ووضعت الإبريق على الفرن لأعد له الشاي، ناداني مدير الموارد البشرية، كانت قسماته عابسة خلافا لكل من التقيت اليوم، نظرني شزرا، وقال بصوت أجش كأنه يصدر من أمعائه: شكرا لإخلاصك، لا داعي لتحضير الشاي، هناك من سيقوم بتلك المهمة.
-
هل لك حاجة ترسلني إليها؟
-
لا..ولكن الشركة استغنت عن خدماتك
-
ارتعدت فرائصي، حاولت أن أقرأ في عينيه بريق المازح، أو أن أحفزه بصمتي على تفسير ما قال، غير أن شابا آخر قاطعني بقوله أين تضع السكر ؟
-
هناك في الخزانة المحاذية لمدخل قاعة الاجتماعات...قلت ذلك وأنا شارد.
 تماسكت واستجمعت كل قواي وقلت للمدير: هل يمكن أن أفهم خلفيات القرار؟
نظر إلى ببرود، وقال: من لا يشكر الناس لا يشكر الله.. ثم أشعل سجارته وألقى بثقله الكامل على مسند الكرسي
على بوابة الخروج استقبلني بائع بطاقات الرصيد قاطعا حديثه مع أحد زبائنه: سمعت أنهم فصلوك.؟
-
سمعت ذلك
-
هل عرفت السبب؟
-
لا، لم يقدم لي تفسيرا
-
سمعت أن المدير العام قال إن ابنك كان يضحك اليوم وهو ينظر إلى الرئيس في التلفزيون...
 قال ذلك وهو يشغل مكبر الصوت المعلق على كتفه..."تحويل رصيد الف ألف وخمسمائة، ألفين أربعة آلآف..." فيما كنت أتفرس في وجوه السائقين بحثا عن فاعل خير.. ويدي تضغط قطعة ورق صلبة من كيس شاي".


الأربعاء، 24 يونيو، 2015

الإفطار على البشاعة..


أحمد ولد إسلْمُ 
Ahmed3112@hotmail.com 

سأسميه محمدا، شاب على الأرجح لم يكمل عامه الأول بعد العشرين، سمح المحيا، دائم الابتسام، لا تخطئه العين في صلاة الفجر، يجوس بين الكراسي ليلا منظفا ما خلف موظفون يتقاضى أقلهم راتبا، ما يجنيه هو في عام كامل، قذفت به الأقدار من أقاصي شبه الجزيرة الهندية إلى موانئ الخليج العربي، بحثا عن ما يسد رمقه، ويكفيه مؤونة الموت غرقا في قارب متوجه إلى شاطئ آخر.
نحيف جدا كرغيف أمه، في يده هاتف قديم الطراز، وحين يسبتد به الشوق ويسعفه الجيب، ينزوي فجرا في زاوية بين المكاتب يجري مكالمة قصيرة،  ربما ليطمئن قلب أمه، ولا شك أنه يحدثها بكثير من المبالغة عن حياته تطييبا لخاطرها، كما يفعل جل المغتربين.
مررت به مسندا ظهره إلى جدار أحد المكاتب، مسترقا لحظة صفاء في ليل رمضاني بدا هادئا في المكان الذي اختار لخلوته.
 كانت عينه مسمرة على شاشة كبيرة من التي تعج بها جدران المؤسسة التي يعمل بها، وعلى الشاسة كانت الرؤوس تتطاير، وقفص من حديد مغلق على خمسة أو ستة أشخاص يغرق في بركة ماء، ودماء تسيل من جريح محجوب الوجه -وإن كانت أمه تعرفه-.
كان محمد مستغرقا، لم يكن يصدر من الشاشة الكبيرة صوت، وحتى إن صدر فإن رصيده القليل من المفردات العربية لن يسعفه الفهم، ولكنه بدا مدركا لمضمون التقرير التلفزيوني الذي يتحدث عن جرائم غلاة المتطرفين.
 تباطأت عمدا لرصد رد فعله، كانت ملامح وجهه السمح تنقبض مع كل صورة، وأحسست كأنه يغالب قيئا، وهو الذي يظل نهاره صائما ويقضي ليله في عمله المضني، وربما لم يشبع يوما.. 
ترى ماذا كان يحدث نفسه في تلك اللحظة؟
ربما لا يعرف محمد عن الإسلام إلا قليلا مما لقنه من لا يعرف عنه كثيرا، ولكنه متشبع بروح بالإسلام، وكثيرا ما رأيته يطيل المكث في المسجد رافعا يديه إلى الله حين يخلو المسجد ممن غافلوا مشاغلهم فركعوا ما كتب عليهم.
 وضاءة وجهه الآسيوي، وابتسامته في وجه كل من يقابل وحرصه على الإتقان وأدبه في الاستئذان حين تتزاحم الكراسي وتتناثر الأوراق بينها، دليل على أنه مؤمن صافي القلب، - ولا أزكيه على الله - لكنه يشاهد القنوات الإخبارية العربية. 
يشاهدها ليس حبا في متابعة التطورات في العالم الإسلامي، ولا اهتماما بشؤون المسلمين - ربما يهتم بهم أكثر ممن يدعي ذلك - ولكنه يشاهد التلفزيون تزجيه لوقت فراغه القليل، وهو تلفزيون صامت، لا تتحدث فيه إلا الصور، والصور أكثر صخبا من كل الصحافيين.
ربما لو صام محمد رمضانه هذا في بنغلاديش لكان إفطاره على ابتسامته أمه وكأس من الحساء الحار، وقطعة خبز، وربما تابع برنامج كاميرا خفية في أحد شوارع دكا المزحمة بالدراجات ثلاثية العجلات، وقد يكون من عاداتهم أن تتحلق العائلة كلها حول تلفزيون صغير - إن كان في بيته تلفزيون- لمتابعة نشرة الأخبار المحلية، التي قد تذيل بخبر أو اثنين من الأخبار الدولية وعلى الأرجح سيكون الخبران من منطقة الشرق العربي أو الغرب الإسلامي كما يعرف هناك.. وتلك جرعة كافية من البشاعة.
ولكنه صام رمضان - لسوء حظه - في البلاد العربية، هنا حيث يكون إفطار الإنسان مغموسا بالدم، تتنازع المرء فيه المرارة إن أفطر شهيا، أو يغص حلقه بلقمته لأن التلفزيونات الغبية تتعمد العمل بدوام كامل في هذا الشهر، وهو مضطر لفتح التلفزيونات فلم تعد تلتئم جماعة إلا عليها، وهي بين نوعين، قناة إخبارية تبث صور الدم والموت والدمار فتدمي القلب فلا يستسيغ مشاهدها لقمته، أو قنوات ترفيه تبث العري والسخف فلا يستقيم معها مجلس.
ومحمد لم يأت إلى بلاد العرب بحثا عن أي من ذلك.. جاء مهاجرا باحثا عن الأمن وكسرة خبز لا أكثر، وربما يريد أن يحدث ذويه حين يعود عن الإسلام كما يعيشه العرب، ولكن ماذا سيخبرهم عن إفطار العرب في رمضان؟ 
لم أسال محمدا.. وأرجو أن لا يسأله ذووه حين يعانقونه بعد عامين عائدا بما تبقى من راتبه.

السبت، 16 مايو، 2015

الصراع على الصورة

أحمد ولد إسلم
Ahmed3112@hotmail.com

في تسعينات القرن الماضي حين كانت التلفزة الموريتانية هي الوحيدة المهتمة بما يدور في البلد، كان الوعي بالصورة في شكلها المختزل يتشكل في أذهان الشعب حديث العهد بالبداوة، وكان من يظهر في التلفزيون أو تجرى معه مقابلة فيها أو في إحدى الجرائد الرسمية يكون ذا حظوة أو سلطة أو دافعا كثيرا من المال.
وقد حدثني أحد صحفيي التلفزة الموريتانية عام 2005 في أواخر أيام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، أن أحد زملائه ممن كانوا يرافقون الرئيس في زياراته الداخلية أنهم كانوا يتقاضون أموالا معتبرة من كل من ظهر وجهه بوضوح في لقطة مقربة أثناء عرض تقرير الزيارة، بل كان الاتفاق على قرب اللقطة وطولها وتكرارها، يتم قبل التصوير، ويحدد على أساسه المقابل المادي أو المعنوي.
لكن الوعي بـأهمية الصورة تطور لاحقا، وبات استخدامها، مدروسا وممهنجا، ومع الجيل الجديد من هواة الإعلام ومواقع الانترنت والشبكات الاجتماعية لم يعد أحد يدفع مقابل الصورة إلا نادرا، بل صار أكثر الناس يتوارى عند التصوير مخافة ظهوره في لقطة، قد تكون دليل إدانة له لاحقا إذا حدث أن غير موقفه من القضية أو النظام الذي التقطت له صورة يدافع عنه.
وبالمقابل صار هناك استخدام للصور الرقمية، لتعزيز أو تفنيد الصورة النمطية، التي هي في تعريفها المبسط "انطباع تلقائي يسقط صفات عامة على شخص أو قيمة أو شيء خاص، بحيث يترافق فيه الدال والمدول في لاوعي المتلقي".
لذلك نجد مثلا استخدام صور الرئيس وهو يصافح ضعفاء الناس، تتحول من لحظة إنسانية عابرة وجد فيها قوي نفسه قرب ضعيف، إلى صورة تشحن بالمدلول السياسي، وتعطى قيمة أخلاقية تستخدم لاحقا لغرض تسويق موقف، وترسيخ صورة ذهنية عامة لدى المتلقين، باستخدام لحظة لم تستغرق ثوان.
والحال ذاته مع صور التقطت رفقة علماء بارزين أو شخصيات ذات مكانة اجتماعية.
لذلك يحتدم الصراع عادة بين القوى المتنافرة سواء سياسيا أو اجتماعيا في تعزيز الصورة الذهنية عن نفسها من جهة وعن خصمها من جهة أخرى، من خلال الاستخدام الممنهج للصور النمطية واستحضارها سواء بالتذكير بها خطابا أو عرض ما يدل عليها نصا أو صورة.
وفي هذا البلد هناك صراع حقيقي لا تخطئه العين بين جمع من الأطراف السياسية والاجتماعية التي يحاول كل منها الظفر بأكبر عدد من المقتنعين بصوره.
ولا تكون مجازفة علمية إن قيل إن الحضور السياسي لأي مكون سواء من النظام أو المعارضة، وحتى المكونات غير السياسية هو ترجمة في الواقع لحجم المقتنعين بالصورة الذهنية التي يحاول قادة كل طرف ترسيخها في أذهان العامة باستخدام وسائل الإعلام سواء ما قبل التقليدية منها كالحديث الشفوي والشائعات أو التقليدية كالتلفزيون أوالإذاعة والصحف والانترنت، أوالحديثة منها كوسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف المتحركة.
ولكن الصورة الذهنية تتضرر بسرعة عند الاخلال بأي من الأسس التي شكلت عليها، فقد يخسر حزب سياسي مكانته في قلوب الناس حين يغير موقفه من القضية الجوهرية التي كانت محور جذبهم، وقد لا تحظى حكومة برضى الناس، حين يتبين أن إجراءاتها بعد العمل منافية لما استقطبت به عقول الناس ونواب البرلمان في برنامجها الحكومي.
ولعل من أكثر الصور الذهنية التي ترسخت لدى عامة الناس في موريتانيا، بفعل التكرار، حتى باتت في مقام العرف، أن الوزير الأول سيكون واحدا من أهل الشرق، وهو عرف بات ضره أكثر من نفعه.
ولكن الأكثر منه ضررا، هو العرف الذي يبدو أن النظام المورتياني يحاول تجذيره، بترسيم المحاصصة العرقية في المؤسسات السيادية، كأن يكون رئيس مجلس النواب من فئة لحراطين ورئيس مجلس الشيوخ من فئة الزنوج، وعدد معين أعضاء الحكومة من ولاية معينة.
وهي المحاصصة التي وإن كان النظام يحاول تسويقها ذهنيا على أنها نوع من الانصاف، إلا أن ترسيخها قد يكون مضرا جدا في المستقبل، فالأنظمة الجمهورية لا يمكن أن تكون قائمة على محاصصة غير منصوص عليها في الدستور، لأن الاخلال بها بعد سنوات من ترسيخها سيعد اعتداء على صورة ذهنية ترسخت في عقول الناس.
ويمكن للمتابع العادي أن يعرف أن الصورة الذهنية التي يريد الرئيس الموريتاني في عهدته المقبلة اللعب على ورقتها دعمه للشباب، (جمع التبرعات للرياضة، لقاءات الشعب، ولقاء الشباب المنتظر)
ولا تستبعدوا أن تكون صورة الرئيس الأكثر تتداولا في الحملة المقبلة صورة له مع نخبة من الشباب الثلاثيني، فقد خسر الرئيس الصورة الذهنية التي حاول ترسيخها في حملته الأولى بوصفه رئيسا للفقراء، تماما كما خسرت المعارضة الموريتانية، صورتها الذهنية التي حاولت جاهدة أن ترسخها في أذهان الناس بوصفها القوة المنقذة والقادرة على إسقاط النظام..
لكن الصورة الذهنية التي ما زالت محافظة على الاستقرار في أذهان الناس منذ نهاية السبعينيات هي أن تدخل الجيش هو الحل الوحيد لإنهاء أي حكم عجز عن حل أزماته، وتلك الصورة هي أكثر الصور الذهنية قبحا وأحوجها إلى التغيير..
"إلى مكنت قال الزحاف”.
 


نقلا عن صحيفة الأخبار أنفو