الخميس، 26 نوفمبر، 2015

العبق الهارب (قصة قصيرة)



أحمد ولد إسلم

Ahmed3112@hotmail.com

الساعة الثانية وثلاث وعشرون دقيقة، كانت الهواجس والأخيلة السوداء تملأ السرير ذا الحجم الملكي، أغلق كل مصادر الإنارة في الغرفة المكتظة بالأشياء التافهة، حتى موصل الكهرباء الذي كانت تنبعث من أحد مقابسه نقطة ضوء حمراء، رأى فيها مشوشا على ذلك الظلام الذي يحيط به نفسه.

أمضى أكثر من عشرين دقيقة يحاول إقناع النوم باللجوء إلى عينيه المرهقتين من إدمان السهر..

تسلل اليأس إلى نفسه..

عشرون دقيقة كانت كفيلة ليجول فيها بين عشرين سنة من عمره، تذكر كل الوجوه ذات القيمة في حياته، كل النساء اللاتي عشقهن من أول نظرة، نساء لا يعرف أسماءهن، وأخريات لم يمتلك الجرأة لإخبارهن بعشقه، ونساء لم يكن واثقا من حبه لهن من البداية..

لا يعرف كم مرة تقلب على ذلك السرير ذي اللحاف البني، ولا كم مرة ملأ رئتيه من الهواء العفن برائحة السجائر، لكن الخلاصة التي أوصلتها إليه تلك الزفرات والتقلب والدقائق العشرون أن أفضل وسيلة للنوم في ليلة أرق هي عدم جلبه عنوة إلى الجفون.

مد يده اليسرى بكسل إلى المصباح المحاذي لقائم السرير، أضفى الضوء المنبعث منه قليلا من الحيوية إلى رتابة الغرفة.

 تحامل بكسل ليصل باب الخزانة، وعود الثقاب يذوي بين يديه وهو يشعل سيجارته..

كانت رائحة الدخان تملأ الغرفة، ولم يعد يميز بين المشتعل من السجائر والمنطفئ قبل شهر.

 مد يده إلى منتهى الخزانة واستل قميصا لم يعر أي اهتمام للونه ولا لتصميمه، أدخل رأسه فيه بعنف أسقط السيجارة من فمه وكادت تحرق البساط المتمدد بكسل قبالة الخزانة، ولم تتغير وضعيته منذ ثلاثة أسابيع، موعد آخر زيارة لعمال التنظيف إلى غرفته.

أشعل سيجارة أخرى، وهو يشد رباط حذائه الرياضي، ترك باب الشقة -كسلا – مواربا، ووقف بانتظار المصعد.

كان المصعد يهوي من الطابق التاسع عشر بسرعة، في عد عكسي للطوابق، توقف لثوان، عند الرقم 12A ابتسم بسخرية من تشاؤم مصمم المصعد من الرقم 13، وكانت تلك الثواني كافية ليأخذ نفسا من سيجارته، ويدوس بحنق على بقيتها، وينفذ دخانه على اللوحة التي كتب عليها بخط رديء "ممنوع التدخين".

انفتحت أشداق المصعد فابتلعه، ووجد نفسه وحيدا أمام صورته في المرآة، فكر للحظة في غباء من يعتقد أن وجود مرآة في مصعد بناية كثيرة الطوابق ضروري لإشعار مستخدميه بالراحة النفسية وهم ينظرون إلى صورهم، مما يجعلهم يتناسون السرعة المفرطة التي تقذفهم بها تلك الحبال الحديدية المكهربة إلى الهاوية، لكن صورته لا تبعث على السرور ولا على التأمل.

فجأة غمرته رائحة نفاثة لعطر عذب، عطر يحمل ذكريات عصية على التجاهل..

التفت ليتأكد إن كانت في المصعد امرأة لم ينتبه لوجودها وقت دخوله، لكنه وجد نفسه وحيدا قبالة نفسه المتعبة، وعيونه المحاطة بهالات سوداء وشعره الأشعث ولحيته الكثة، كانت رائحة العطر أقوى من أن يفكر بغيرها، وأغمض من أن يعرف مصدرها.

تجاوز العتبات القصيرة لمدخل البناية وترك باب المصعد ينغلق خلفه، ألقى نظرة خاطفة عليه، لكن لوحته كانت تتصاعد في أعدادها متجاوزة الرقم العاشر..

اهتزت السيارة الرياضية قليلا قبل أن تنبعث موسيقى حزينة من سماعاتها.

 لم يبال بارتفاع صوت الموسيقى ولا بما قد ينتج عن إزعاج جيرانه في هذا الوقت من الليل، فقد انطلق بسرعة فائقة وهو يسلك منعرجا تقول لوحة جانبية إنه يؤدي إلى الشاطئ.

كانت الشوارع هادئة إلا من سيارات قليلة وبعض سيارات الإسعاف التي لولا أضواؤها المتلألئة لم تكن لتميز عن غيرها.

ركن سيارته في موقف زوار الشاطئ، وأطفأ السيجارة التي أتت النيران على نصفها، أغلق باب السيارة بعنف وهو يترجل منها، لكنه تذكر حين لمس جيبه الخلفي أنه لم يأخذ سجائره، انحنى لأخذ العلبة من خلف زجاج السيارة المنخفض إلى النصف، فملأت رائحة العطر أنفاسه فجأة.

كانت امرأة في غاية الحشمة والجمال تمر بجانبه، متوجهة إلى الشاطئ..

أخرج سيجارة من العلبة التي لم يبق فيها كثير، وأشعلها بسرعة تشي بتوتر لا يعرف مصدره بالضبط.

 فكر للحظة أن يوقف تلك المتمايلة بكسل ويسألها عن عطرها الفواح، لكن هيئتها المحتشمة والساعة المتأخرة التي تزور فيها هذا المكان، جعلته يخشى أن لا تكون وحدها.

تتبعها من مسافة لا تقل عن مائة متر، لكن رائحة العطر لم تفارق أنفاسه، فجأة قرر التوقف عن هذا التصرف الصبياني، أشعل سيجارته وجلس على الشاطئ في صمت، وغابت المرأة عن نظره، ومعها غابت رائحة العطر الأخاذ.

لا يعرف كم من الوقت أمضى في تلك الجلسة، ولا كم سيجارة أشعل لكنه وقت كاف ليتذكر ما كان لذلك العطر من قيمة، وما عاشه في عبقه من ذكريات، وما يكفى لتخبره العلبة البيضاء أن جيبه لم يعد مكانها المناسب..

وقف بكسل، ومشى خطوات قليلة قبل أن تهب من جديد رائحة العطر، التفت فإذا المرأة ذاتها تتجاوزه مبتعدة إلى الجهة الأخرى من الشارع، سارع خطواته خلفها، ويبدو أن ذلك أربكها فأسرعت قليلا في مشيتها، ولم يكن ذلك في صالحه، ولا في صالحها.

توجه إلى سيارته وهي انطلقت بسيارتها مسرعة، لكنه التواء الدائرة أجبرها على المرور بحيث يحفظ رقم سيارتها.

انطلق بسرعة خلفها، وقبل أن يقترب بما فيه الكفاية ليتمكن من موازاة سرعتها، كانت إشارة المرور تتحول إلى الضوء الأصفر، لمدة ثلاث ثوان ، قبل أن تصير حمراء بالكامل.

 لكن تلك الثواني الثلاث كانت كفيلة بانعطافها يسارا، ووقوفه عند الخط الأبيض ملتزما – في حالة نادرة ومفاجئة- بأوامر الضوء الأحمر.

فتح صندوق السيارة عن يمينه، وأخرج علبة سجائر، أشعل سيجارة وأقنع نفسه أن لا أمل في لقاء آخر مع هذه المرأة.

بالكاد لمع الضوء الأخضر لينطلق بسرعة، محاولا أن يسلك شارعا يلتقي لا محالة بالشارع الذي سلكته تلك المرأة، معتمدا في ذلك على سيارته الرياضية فائقة السرعة.

وهو ينعطف يمينا تأكد من رقم سيارتها منتظرة اخضرار الإشارة عند التقاطع، ابتسم براحة كبيرة، رمى ما تبقى من سيجارته، وتمهل في سيره، حتى لحقت به سيارتها متجاوزة إياه بسرعة كبيرة، لكنه كان مطمئنا أن الإشارة الضوئية المقبلة ستكون كفيلة بتوقيفها.

توقف بجانبها وخفض صوت الموسيقى، وخفض زجاج الباب المقابل لها بالكامل، وابتسم لها، فأنزلت زجاجها في حركة لا توحي بالرضا، لكن رائحة العطر غمرته فجأة، وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة، كانت الإشارة تخضر، وكانت هي على بعد أربعة أمتار سالكة – وبطريقة مخالفة لقانون السير- المنعطف الأيمن، ولم تتح له السيارة التي خلفه فرصة لاتخاذ قرار بملاحقتها، فاستسلم لقدره وأشعل سيجارة يائسة.

لا يعرف كيف وصل إلى بيته، ولا لماذا خرج منه أصلا، ولماذا يلاحق رائحة عطر غمرته فجأة في مصعد، لتسوقه الأقدار إليها في الشاطئ، ثم في ملتقى طرق؟

 قرر أن يمكث في السيارة في انتظارها، وهو على يقين أنها ستعود لا محالة إلى بيتها، قطّع انتظاره بالتفكير في غبائه، وبالتدخين، ثم قرر أن يدوس على روح تلك اللوحة المثبتة أمام المصعد، والتي تشير إلى منع التدخين، وأشعل سيجارته متجاهلا صورته في المرآة، وكاميرات الأمن المنغرسة في الزوايا الأربع للمصعد، والتي تشهد على كثير من سكان العمارة بما لا يرغبون في رؤية أشرطته.

داس على عقب السيجارة عند باب غرفته، كان الضوء الخافت الصادر من المصباح الجانبي يضفي السكينة على الغرفة..

تقدم ببطء إلى باب الخزانة لخلع قميصه، فامتلأت أنفاسه برائحة العطر المجنون، لم يتمالك قشعريرة سرت في كامل جسده، أعاد القميص الذي وصل إلى منتصفه، والتفت إلى الباب الأمامي، لكنه كان مغلقا، ولم يكن في البيت كله أحد سواه، وكانت رائحة العطر غالبة على أي رائحة أخرى، وضع يده على قلبه محاولا استحضار أي شيء من القرآن الذي حفظه وهو طفل، لكن شيئا ما اعترض يده.

أدخل أصابعه في جيب قميصه ليجد منديلا، تفوح منه رائحة العطر الذي أمضى ليلته يلاحقه، كان بقية من ذكريات أمسية لا تنسى.

ابتسم..، كانت أمنيته الوحيدة في هذه اللحظة أن تكون له رئتان إضافيان.


ليست هناك تعليقات: